3
سنأتي بتلخيص تأليفه بعد الانتهاء من تلخيص كتاب المسيو رينو، وسنقابل جميع رواياتهم بما لدينا من التواريخ العربية الشهيرة.
قال المسيو رينو في مقدمة كتابه:
جاء وقت كانت فيه فرنسة عرضة لغارات شعب أجنبي كان قد استولى على إسبانية وبلدان أخرى مجاورة لها، وجاء بدين جديد ولسان جديد وأوضاع جديدة، فأصبحت المسألة مسألة هل فرنسة وسائر ممالك أوربة التي لما تخضع لهذا الشعب الجديد تقدر أن تحتفظ بأعز ما يحتفظ به الإنسان من دين ووطن وأوضاع أم لا؟
وكان الناس يتساءلون عن كنه هذه الوقائع التي ترتب عليها احتلال ذلك الشعب لقسم من بلادنا ومن آية جهة وقعت، وأية أحوال أحاطت بها، وهل كان المغيرون كلهم من العرب، أم كانوا من أمم شتى؟ وما كانت نتائج هذه الغارات المتكررة كثيرا؟ وهل بقي في البلاد منها آثار أم لا؟
ولقد جرى البحث أكثر من مرة عن هذه القضية، ولكن لم يعن أحد فيما يظهر لنا بأن يضع لهذا الموضوع تأليفا خاصا يحيط بجميع الوقائع التي نحن بصددها ويستنبط منها نتائج عامة
4
ولا شك في أن تأليفا وافيا بهذا الغرض ينبغي له الجمع بين الروايات الأوربية المسيحية والروايات العربية الإسلامية ليعرف قول الغالب وقول المغلوب معا.
ومن مدة طويلة كان الناس في أوربة قد لحظوا أن روايات مؤرخي أوربة المسيحية عن هذه الوقائع لم تكن كافية، وأن الزمن الذي قد حصلت فيه هذه الحوادث، وأغار فيه العرب على فرنسة هو أشد الأزمنة على هذه البلاد وأحلكها سوادا، ففي سنة 712 عندما بدأت هذه الحملات على فرنسة كانت هذه البلاد مقسمة بين إفرنج الشمال الذين كانوا يملكون «نوستريا»
5
و«أوسترازيا»
6
و«بورغونيا»
7
وبين إفرنج الجنوب الذين كانوا يملكون «أكيتانية»
8
من نهر اللوار إلى جبال البيرانه، وبين بقايا القوط الغربيين
9
الذين كان بقي في أيديهم قسم من مقاطعة «لانغدوق»
10
وقسم من مقاطعة «بروفانس»
11
وكانت الفوضى قد وقعت في الحكومة والمجتمع، فلذلك لم تأتنا إلا معلومات ضئيلة عن ذلك العهد، ولم تبدأ الأخبار التاريخية تنجلي إلا في أيام «ببين» ابن «شارل مارتل» وفي أيام «شارلمان» بن «ببين»، ولكن في ذلك الوقت كان المسلمون قد نكصوا إلى الوراء، ثم عاد جو فرنسة فاربد ثانية في زمان أولاد لويس الحليم “Le Débonnaire”
وجدد العرب غاراتهم على فرنسة أيام كان النورمنديون من جهة، والمجار من جهة أخرى يشنون مثلها ويعيثون في الأرض مفسدين.
ولا نقدر أن نقول: إن تواريخ العرب عن تلك الحوادث كانت مستوفية الشروط، فإن المؤلفين الذين كتبوا عنها جاءوا بعدها بزمن فلم يعاصروها، إلا أن يكون ثمة مؤرخون لم تصل إلينا كتبهم، فقد ذكر العرب أن لموسى بن نصير تاريخا ألفه حفيده، وإن لأحد الشعراء قصيدة في تاريخ طارق بن زياد نظمها بعد عهده بقرنين، ولكن هذه الكتب التي كتبت بعد الحوادث بمدة غير قصيرة لم تكن مستوفية شروط التحقيق، وأكثر الأحيان يروي أصحابها روايات شفهية عن أفواه الرواة
12
وغير خاف أن العرب كانوا في ذلك الدور، دور الحماسة والمجد، لا يفكرون إلا في إعلاء شأن دينهم، فكان لا يهمهم شيء بقدر الشعر والضرب في أودية الخيال.
إذن حكاية العرب لوقائع غارات العرب على فرنسة كانت متأخرة عن زمن حدوثها في القرن التاسع المسيحي، كما أن منها ما لم يتعرض العرب للبحث عنه أصلا.
ولقد كان في أيدي العرب وسائل لمعرفة أحوال فرنسة الداخلية وما جاورها؛ لأنهم عدا احتلالهم مدة مديدة جانبا منها كانت صلاتهم مع هذه البلاد مستمرة، وكانت السفراء تختلف بين الفريقين الفينة بعد الفينة، فقد ذكر المسعودي أنه في نواحي سنة 939 مسيحية توجه إلى قرطبة مطران جيرون من كتالونية وكان اسمه «غودمار»
Godmar
وذلك في أيام الخليفة عبد الرحمن الناصر، وألف لولده الحكم المشهور بحبه للعلم تاريخا لبلاد فرنسة من زمن كلوفيس إلى ذلك العهد