تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد ذكروا أنه كان للمسلمين لذلك العهد بارجة متناهية في الكبر يظنها الرائي من بعيد سورا عاليا سائرا في البحر غزت مرة جزيرة أوي

Oye

في بريطانية عند مصب نهر لوار ولكن لم نعلم من آثارها شيئا غير هذا.

ولا يخفى أن هذه الوقائع كانت تتراكم كلها في أيام الإمبراطور لويس الحليم الذي كان هو بنفسه قائل الرأي ضعيف العزيمة سيئ الإدارة فاقد الإرادة، قسم مملكته بين أولاده الثلاثة، وسلم إلى كل حصته، ثم بدا له أن يعيد القسمة وأن يجعل نصيبا لولده الرابع، فثار أولاده عليه وقاتلوه وخلعوه، ورجع إلى العرش، ولكن لم ترجع مهابته وامتلأت أيامه بالفتوق والآفات بحيث إنه أصدر سنة 828 منشورا يقول فيه: إن المجاعة والطاعون وسائر أصناف الآفات السماوية انقضت على شعوب سلطنتنا مما يدل على غضب الله تعالى من أعمالنا غير المستقيمة، ثم أمر الإمبراطور بصيام عام وباجتماع الأساقفة في أربع حواضر، منها مدينة طلوزة، وذلك لأجل المذاكرة في التدابير اللازمة لمعالجة هذه الحال.

أما العلاقات التجارية، بين مملكة شرلمان وبين مصر والشام، فلم تنقطع في وقت من الأوقات، وفي سنة 831 تجددت المواصلات بين الخلافة العباسية والسلطنة الغربية، وقد تقدم وفد من قبل الخليفة المأمون إلى فرنسة مؤلف من ثلاثة، اثنان منهما مسلمان والثالث مسيحي، وجاءوا إلى الإمبراطور بهدايا منها منسوجات فاخرة ومنها أفاويه عاطرة.

وكانت الحرب لا تزال مشتعلة في جبال البيرانه، بين جيوش أمير الأندلس وجيوش فرنسة، فاجتاح الأمير عبيد الله ابن عم الأمير عبد الرحمن في سنة 838 البلاد التي كانت تحتلها جيوش الفرنسيس، كما أن هؤلاء اجتاحوا من بلاد قشتالة ما كان تابعا لملوك قرطبة، وسار أسطول للمسلمين من تركونة ومعه أسطول آخر من جزيرتي ميورقة ويابسة، وهاجم المسلمون مرسيلية وأنزلوا العساكر في نواحيها واستولوا على ضواحيها وساقوا جميع الرجال حتى الرهبان أسرى، والمظنون أنه في تلك الغزوة حصلت الحادثة المنسوبة إلى القديسة أوزيبيا

Cusebia

رئيسة دير الراهبات في مرسيلية والأربعين راهبة اللائي كن في ذلك الدير، وذلك أنهن خشين من أن الغزاة يتجاوزون على أعراضهن ويلحقون بهن المعرات فشوهن خلقة أنفسهم بجدع أنوفهن حتى يكن بمأمن من تجاوز غزاة العرب.

ومات الإمبراطور لويس سنة 840 فوقع الخلف بين أولاده، واغتنم المسلمون هذه الفرصة فدخلوا من مصب نهر الرون، كما جاء في مجموعة مؤرخي فرنسة للدون بوكيه، وعاثوا في مدينة آرل ونواحيها، وفي الوقت نفسه أغار موسى أمير تطيلة في بلاد نابار وأوغل حتى بلغ أرض سردانة، واكتسح تلك البلاد.

51

وكانت في تلك الأيام قد ساءت الأحوال في فرنسة إلى الدرجة القصوى بسبب الحروب الداخلية، وأصبحت قد انتثر سلكها وتعطلت حلاها وتقاسم جنوبي فرنسة ثلاثة ملوك: الإمبراطور لوطير

Lothaire

والملك شارل الأصلع والملك الشاب ببين بن ببين الذي كان ملكا على أكيتانية، ثم ثار أمير اسمه فولكراد

Folcrade

على الإمبراطور وسمى نفسه كنت آرل وبروفنس، وقد بلغ حب الشقاق وفساد الأخلاق أن الكثيرين من سلالة شارل مارتل وببين القصير وشارلمان كانوا يستنجدون بالأعداء الأجانب بعضهم على بعض.

ولم تكن إيطالية بأحسن حالا من فرنسة؛ لأن المسلمين كانوا استولوا على جزيرة صقلية، وكان اثنان من أمراء المسيحيين يتنازعان الإمارة في بلاد بينيفنتي بقرب نابولي، فاستنجد كل منهما بالمسلمين الذين كانوا في صقلية، فدخل المسلمون إلى الأرض الكبيرة واستولوا على قسم كبير منها.

52

وفي سنة 846 جاء غزاة العرب إلى رومة وصعدوا في نهر الطير ونهبوا كنائس القديسين بطرس وبولس وغزوا أيضا جنوة وعطلوا سدود نهرها، فنفر الأهالي وقاتلوهم وحمل الرهبان والقسيسون السلاح.

تاريخ غزوات العرب في فرنسا وسويسرا وإيطاليا وجزائر البحر المتوسط · الصفحة ٥٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تاريخ غزوات العرب في فرنسا وسويسرا وإيطاليا وجزائر البحر المتوسطص ٥٢