تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

53

ولم تكن الأندلس بأسعد حالا في تلك الأيام؛ لأن الفتن كانت تصطلمها، والآفات تنيخ عليها بكلكلها فانضم إلى الفتن المجاعة والقحط والجراد وغزو النورمنديين الذين أخذوا ينزلون في أشبونة وأشبيلية ويفسدون في أرضهما.

وفي سنة 848 عاد المسلمون فغزوا مرسيلية وجميع الساحل إلى جنوة، كما جاء في مجموعة الدون بوكيه، وكان الملك ببين شابا، وكان في حرب مع عمه شارل الأصلع، فطلب ببين مساعدة المسلمين له وأرسل إلى قرطبة غليوم كونت طلوزة حفيد البطل غليوم الذي اشتهر في حروب المسلمين وتلقب بالقديس، كما سبق الكلام عليه، فنال غليوم ما أراده وأصحبوه بعساكر تمكن بها ببين من إخراج عمال شارل الأصلع من برشلونة ومن مدن أخرى من كتلونية، وكان قرصان المسلمين قد نزلوا في سواحل آرل، واضطروا لمعاكسة الريح أن يتأخروا في الساحل، فحمل الأهالي السلاح من كل جهة وذبحوهم، ولكن في تلك المدة زحف جيش من المسلمين يقوده موسى عامل سرقسطة وتقدم من جهة أورجل

Urgel

وريباغورسة

Ribagorsa

ولم يزل يثخن في أرض الفرنسيس ويقتل ويسبي إلى أن اضطر الملك شارل الأصلع أن يطلب من المسلمين الصلح ولم ينله إلا بتقديم هدايا ثمينة كما جاء في مجموعة الدون بوكيه.

وفي سنة 850 وقعت نكبة على مسيحيي الأندلس، وحصلت حوادث في قرطبة وصل خبرها إلى فرنسة، وتحرير الخبر أن الشرع الإسلامي يطلق لأهل الذمة الحرية الدينية ولا يجبرهم إلا على أداء الجزية، ولكن إذا تزوج مسلم بمسيحية فالأولاد يجب أن ينشأوا على دين الأب، كذلك إذا أسلم مسيحي أو مسيحية فأولاده معدودون من المسلمين إذا كانوا قاصرين، فإذا بلغوا سن الرشد وأرادوا الرجوع عن الإسلام فلا يحق لهم، وكذلك إذا قذف أحد المسيحيين نبي الإسلام فليس أمامه سوى الإسلام أو الموت.

وقد كان الزواج المختلط كثير الوقوع في الأندلس، فطالما تزوج مسلمون بمسيحيات وقد كانت المرأة المسيحية المتزوجة بمسلم كثيرا ما تلقن بناتها قواعد النصرانية فيحصل بسبب ذلك نزاع شديد في العائلات، وفي ذلك الوقت كان في قرطبة قسيس متضلع في اللغة العربية اسمه بهارفكتس، وكان قد شاع أن بهارفكتس في إحدى المرار تلفظ بالشهادتين وأسلم، فصادفه بعد ذلك أناس من المسلمين وسألوه عن رأيه في نبي الإسلام

صلى الله عليه وسلم

فامتنع أولا عن الجواب فألحوا عليه في تبيين رأيه، فأجاب بجواب نال فيه من الرسول، وقيل: إن المسلمين ذلك اليوم لم يتعرضوا له بسوء، ولكنه بينما كان مارا فيما بعد في أحد الشوارع جاء أحد المسلمين وأغرى العامة بالهجوم على القسيس قائلا لهم: إن هذا هو الذي قذف بالنبي، فهجمت العامة عليه، وذهبوا به إلى القاضي، فسأله عما عزي إليه من القذف، فلم ينكر كلامه، بل أيده أمام القاضي فاضطر القاضي أن يحكم عليه بالقتل، وكان ذلك في شهر رمضان فلم ينفذ فيه الحكم إلى أن انسلخ الشهر وجاء العيد فقطعوا رأسه بمحضر من جم لا يحصى من الأهالي.

54

فكان لهذه الحادثة صدى بعيد وثارت من أجلها الخواطر، وكان المسيحيون كثيري العدد في الأندلس وفي نفس قرطبة مركز السلطنة وكان المسلمون تركوا لهم كثيرا من كنائسهم وأديارهم، وكانت لهم أديار للرهبان وأخرى للراهبات، وكان من المسيحيين كثير من المستخدمين في القصر الملكي لا سيما أن القصر كان يحتوي عددا عظيما من الصقالبة، فكثرت من أجل ذلك المنازعات الدينية وصارت تتقدم الشكايات على بعض المسيحيين بأنهم قذفوا بالرسول فيؤتى بهم إلى القاضي فيسألهم فلا ينكرون، فيحكم القاضي عليهم بالقتل، ولأجل أن لا يأخذ المسيحيون أجسادهم ويحنطوها ذخائر كان الحكام يحرقون أجساد المحكوم عليهم بالقتل ويرمون رمادها في النهر، وقيل: إنهم كانوا يطرحون بعضها للكلاب.

وقد كان تأثير هذه الشدة بعكس ما أمل رجال الحكم، فإنه وجد من المسيحيين من كان يتهافت على القذف بالرسول

تاريخ غزوات العرب في فرنسا وسويسرا وإيطاليا وجزائر البحر المتوسط · الصفحة ٥٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تاريخ غزوات العرب في فرنسا وسويسرا وإيطاليا وجزائر البحر المتوسطص ٥٣