وكان عالما بعلوم الشريعة والفلسفة وكانت أيامه أيام هدوء وسكون، وكثرت الأموال عنده، واتخذ القصور والمتنزهات وجلب إليها المياه من الجبال، وجعل لفضلها مصنعا اتخذه الناس شريعة وأقام الجسور، وبنيت في أيامه الجوامع بكور الأندلس، وزاد في جامع قرطبة رواقين، ومات قبل أن يستتمه، فأتمه ابنه محمد بعده، وبنى بالأندلس جوامع كثيرة، ورتب رسوم المملكة واحتجب عن العامة. قال: وكان كثير الميل للنساء، وولع بجاريته «طروب» وكلف بها كلفا شديدا وهي التي بنى عليها الباب ببدر المال حين تجنت عليه وأعطاها حليا قيمته مائة ألف دينار. أ.ه.
وجاء في النفح كلام طويل عن محبة هذا الأمير لطروب ولغيرها من الجواري، ولم يقل: إنه خطب ابنة شارل الأصلع ملك فرنسة، ولم أذكر أن «دوزي» الذي استقصى في الكلام عن عبد الرحمن الثاني وسيرته الشخصية ذكر شيئا من هذا.
ونعود إلى سياق حديث «رينو» عن أمراء بني أمية ومغازيهم في إفرنجة، فهو يقول: إن عبد الرحمن الداخل كان استخلف ابنه هشاما من بعده، وأن هشاما لأول حكمه وجد الفتن مشتعلة في أكثر البلاد، فأراد أن يشغل الأمة عن الفتن الداخلية بجهاد العدو الخارجي؛ لأنه أجمع شيء للكلمة، وكان يريد أن يتلافى ما نقص من المملكة بغارات ببين وشارلمان الأخيرة ويخضد شوكة مسيحيي بلاد استوريش وشمالي الأندلس فأجمع على قتال المسيحيين في كل مكان، وفي أيامه كثرت القالة بأن المسلمين لا يقدرون إلا على قتال بعضهم بعضا، وأفتى بعض الفقهاء بأنه لا يجب دفع الخراج لأمراء لا يعرفون أن يقاتلوا إلا أمة محمد وحدها، وكانوا يضربون الأمثال في خدمة الإسلام بخلفاء بغداد الذين كانوا يواصلون غزو مملكة القسطنطينية.
فبناء على هذا كله تحمس هشام وأعلن الجهاد، وأمر الناس كافة بأن ينفروا قاصدين جبال البيرانه، فمن لم يقدر على الجهاد بنفسه وجب أن يجاهد بماله، وقرئ منشور الأمير في الجوامع، وفيه الآي القرآنية التي تحض على الجهاد
26
فلما تلى هذا المنشور نفر الناس للجهاد من كل فج، وانثالوا على الأمير من كل حدب، ولكن برغم هذا كله لم يكن المجاهدون بالأعداد التي كانت تجتمع في الغزوات الأولى لأول الفتح عندما كان المجاهدون كحصي الدهناء، ينفرون للجهاد في سبيل الله من إفريقية والشام وجزيرة العرب وغيرها، فإن هذه البلدان كلها كانت في أيام هشام موصدة الأبواب على من أراد الجهاد في الأندلس، فأصبح الغزو في الأندلس منحصرا في أهلها، ولذلك لم يجتمع في هذا النفير سنة 792 غير مائة ألف مقاتل، انقسمت إلى شطرين: زحف منها شطر إلى قتال مسيحيي أشتوريش، فلم يظفروا بطائل يذكر، وزحف الشطر الآخر تحت قيادة الوزير عبد الملك
27
إلى كتالونيا، ومنها تأهب لاجتياح فرنسة.
وكان دخولهم إلى فرنسة سنة 793 وشارلمان يومئذ مشغول على ضفاف الدانوب بحرب الآفاريين، ونخبة جنود مملكة أكيتانيا غائبة في إيطالية بصحبة لويس بن شارلمان، فنهد المسلمون من فورهم إلى أربونة، ولما وجدوها محصنة بادروا بإحراق أرباضها، وزحفوا إلى قرقشونة
28
وكان لويس ملك أكيتانيا قد عهد بالوكالة في غيابه إلى غليوم كونت طلوزة، فاستنفر غليوم أمراء المملكة ورجالاتها، وأقبل المسيحيون تحت السلاح من كل جانب، وتلاقوا مع المسلمين على ضفاف نهر «أوربيو»
29
في المكان المسمى «فيلدانيا»
30
بين قرقشونة وأربونة، وكانت المعركة من أحمى المعارك وطيسا، وقاتل الكونت غليوم قتال الضواري، ولكن المسلمين ثبتوا كالأوتاد والفرنسيس انهزموا ذلك النهار وولوا الأكتاد وأصيبوا بخسائر فادحة، وغنم المسلمون غنائم فوق الإحصاء، غير أنه لم يكمل سرورهم وقتل أحد كبار قوادهم، فلم يتعقبوا المسيحيين في هزيمتهم، واكتفوا بما أصابوه من السبي والمغنم، وقفلوا إلى الأندلس ظافرين، وكان لهذه الطائلة للمسلمين على المسيحيين، فرح عظيم عند المسلمين؛ لأنه كان قد طال عهدهم بالظفر