تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

18

وقد اشتهر أناس من هؤلاء المهاجرين ولا يزال من بقاياهم عائلات نبيلة ينتسبون إليهم مثل عائلة فلنوف

Villeneuve .

ثم إن عبد الرحمن الأول أمير قرطبة توفي سنة 788 وقد وصفه المؤرخون الفرنسيون بالقسوة، وقالوا: إنه كان سفاكا للدماء جبارا عاتيا وأنه أوقع بكثير من رعيته العرب والبربر، وزعم الدون بوكيه أن النصارى واليهود قاسوا العذاب ألوانا في أيامه، وأنهم اضطروا إلى بيع أولادهم ليتمكنوا من المعيشة، وأما نحن فنعتقد أن هذا الأمير الذي فتح بلاده فتحا بقوة ساعده وبمجرد حسن تدبيره، وكان في جدال وجلاد دائمين لأجل توطيد سلطانه، لم يكن ليستغنى أحيانا عن الإتيان بمثلات من الشدة يرهب بها أعداءه، والحقيقة أنه كان في نفسه حليما عاقلا محبا للعلوم والصنائع، وأنه هو أول مؤسس للمدنية العربية الزاهرة في الأندلس، ولا يظهر أنه كانت له علاقات رأسا مع شارلمان، وإن كان المقري يذكر ذلك ويقول: إنه أراد أن يخطب إحدى بناته

19

والأرجح أنه لم يكن عبد الرحمن الأول هو الذي دخل في علاقات كهذه مع قارله، بل عبد الرحمن الثاني الذي كانت له علاقات مع شارل الأصلع، والذي كان عائشا في عصر لم تكن فيه هذه المصاهرات وأمثالها مستنكرة. أ.ه.

وقبل إكمال حديث «رينو» عن عبد الرحمن الأول وعبد الرحمن الثاني رأينا مناسبا أن نذكر خلاصة تاريخ عبد الرحمن الثاني نقلا عن نفح الطيب.

قال المقري: غزا عبد الرحمن بن الحكم لأول ولايته إلى جليقية وأبعد وأطال المغيب وأثخن في أمم النصرانية هنالك، ورجع، وفي سنة 208 أغزى حاجبه عبد الكريم بن عبد الواحد إلى ألبة والقلاع، فخرب كثيرا من البلاد وانتسفها، وفتح كثيرا من حصونهم وصالح بعضها على الجزية وإطلاق أسرى المسلمين، وانصرف ظافرا، وفي سنة 24 بعث قريبه عبيد الله بن البلنسي في العساكر، لغزو ألبة والقلاع، فسار ولقي العدو فهزمهم وأكثر القتل والسبي، ثم خرج لذريق ملك الجلالقة وأغار على مدينة سالم بالثغر، فسار إليه فرتون بن موسى وقاتله فهزمه وأكثر القتل والسبي في العدو، ثم سار إلى الحصن الذي بناه أهل ألبة بالثغر نكاية للمسلمين فافتتحه وهدمه، ثم سار عبد الرحمن في الجيوش إلى بلاد جليقية فدوخها وافتتح عدة حصون منها وجال في أرضهم ورجع بعد طول المقام بالسبي والغنائم، وفي سنة 26 بعث عبد الرحمن العساكر إلى أرض الفرنجة وانتهوا إلى أرض برطانية

20

وكان على مقدمة المسلمين موسى بن موسى عامل طليطلة

21

ولقيهم العدو فصبر حتى هزم الله عدوه. وكان لموسى في هذه الغزوة مقام محمود، وفي سنة 29 بعث ابنه محمدا بالعساكر، فتقدم إلى بنبلونة، فأوقع بالمشركين عندها وقتل غرسية صاحبها وهو من أكبر ملوك النصارى.

إلى أن يقول: وفي سنة إحدى وثلاثين بعث العساكر إلى جليقية فدوخوها وحاصروا مدينة ليون

22

ورموها بالمجانيق وهرب أهلها عنها وتركوها، فغنم المسلمون ما فيها وأحرقوها، وأرادوا هدم سورها فلم يقدروا عليه؛ لأن عرضه كان سبعة عشر ذراعا، فثلموا فيه ثلمة ورجعوا، ثم أغزى عبد الرحمن حاجبه عبد الكريم في العساكر إلى بلاد برشلونة فعاث في نواحيها وأجاز الدروب التي تسمى «البرت» إلى بلاد الفرنجة، فدوخها قتلا وأسرا وسبيا، وحاصر مدينتها العظمى «جيروندة»

23

وعاث في نواحيها وقفل، وقد كان ملك القسطنطينية من ورائهم «توفيلس»

24

بعث إلى الأمير عبد الرحمن سنة 25 بهدية يطلب مواصلته ويرغبه في ملك سلفه بالمشرق من أجل ما ضيق به عليه المأمون والمعتصم، حتى أنه ذكرهما له في كتابه إليه، وعبر عنهما بابني مراجل وماردة

25

فكافأه الأمير عبد الرحمن عن الهدية وبعث إليه يحيى الغزال من كبار أهل الدولة، وكان مشهورا في الشعر والحكمة، فأحكم بينهما الوصلة وارتفع لعبد الرحمن ذكر عند مناغيه من بني العباس، ويعرف الأمير عبد الرحمن بالأوسط؛ لأن الأول عبد الرحمن الداخل والثالث عبد الرحمن الناصر، ثم توفي عبد الرحمن الأوسط سنة ثمان وثلاثين ومائتين بربيع الآخر لإحدى وثلاثين سنة من إمارته، ومولده بطليطلة في شعبان سنة ست وسبعين ومائة.

تاريخ غزوات العرب في فرنسا وسويسرا وإيطاليا وجزائر البحر المتوسط · الصفحة ٤٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تاريخ غزوات العرب في فرنسا وسويسرا وإيطاليا وجزائر البحر المتوسطص ٤٣