تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

31

وأصاب الأمير خمس الغنائم فبلغ خمسة وأربعين ألف مثقال من الذهب، فإذا حسبنا قيمة الذهب يومئذ بالنسبة إلى قيمته الحاضرة وجب أن نضرب هذا العدد بتسعة فيجتمع لنا سبعمائة ألف فرنك من معاملتنا الحاضرة

32

فبنى هشام بهذا المال في جامع قرطبة الذي كان أبوه لم يتمه

33

وكان عبد الرحمن الأول بدأ جامع قرطبة من غنائم الحرب، فزاد ذلك في حرمة الجامع في نظر المسلمين، فلما باشر ابنه هشام بناء القسم الجديد من الجامع وجد المسلمين ملتزمين الصلاة في القسم القديم، فسأل عن سبب ذلك، فقيل له: إن هذا من أجل كون هذا القسم بني من غنائم الجهاد، فأجابهم هشام بأن القسم الجديد أيضا بني من غنائم الجهاد، واستدعى القاضي ونفرا من كبار القوم فأيدوا كلامه.

34

وقال بعضهم: إن أسس هذا الشطر الجديد من الجامع وضعت على تراب مجلوب من جليقية ومن جنوبي فرنسة، أي من مسافة مائتي مرحلة، حمله أسرى المسيحيين على ظهورهم، وقد تقدم هذا الخبر في الكلام على مدينة أربونة.

ولم يثبت أن المسلمين تمكنوا من أربونة في تلك الغزاة، ولو كانوا فتحوها لكان مؤرخو المسيحيين أشاروا إلى ذلك الحادث، واشتهر في تلك الحرب غليوم كونت طلوزة، من أمراء البلاد ومن أفرس فوارسها وأشدهم تحمسا بالدين المسيحي؛ لأنه بعد أن قضى حياته في الحروب، وكان من جملة غزاة الفرنسيس الذين فتحوا برشلونة، أنهى حياته في دير جلون (Gellone)

الذي بناه هو بنفسه في لوديف (Lodéve)

ومات بذلك الدير منقطعا للعبادة، وصار معدودا في مصاف القديسين، ترجمه أحد معاصريه فقال: إنهم في القرن العاشر كانوا في الكنائس يرتلون دائما الأناشيد بذكر أعماله المجيدة ومواقفه في جهاد المسلمين، ولما أخذ شعراء الفرنسيس ينظمون القصائد على شارلمان ومشاهير رجاله ويترنمون بذكر وقائع، فيها ما هو صحيح وفيها ما هو خيال، كانوا يجعلون من ذلك قسطا كبيرا لغليوم ذي الأنف القصير، وكانوا يصورون مدينة نيم ومدينتي أورنج وآرل كأنها قد وقعت في أيدي المسلمين ولم يتم استخلاصها إلا على يد ذلك البطل الذي لا يغالب ... وكذلك وجدت كتابة لاتينية بقيت محفوظة إلى زمان الثورة الفرنسوية في دير «مون ماجور» “Mont-Major”

تفيد أن شارلمان جاء بنفسه إلى آرل لطرد المسلمين منها.

ومن المعلوم أن الشعراء لم يكن همهم التدقيق في المسائل التاريخية إذا أرادوا التغني بأحاديث أبطالهم وهاموا في أودية خيالهم، فأما الكتابة التي في دير «مون ماجور» فهي غير صحيحة؛ لأنها تتضمن أن شارلمان بنى ذلك الدير تمجيدا لواقعة طرد المسلمين من آرل، والحال أن الدير قد بني بعد ذلك بمئة وخمسين سنة.

وكان هشام ملك قرطبة قد توفي سنة 796 وخلفه ابنه الحكم، فثار بعد عماه

35

فاضطر أن يقضي أوائل أيامه في قمع الثورة، وفي السنة التالية بينما كان شارلمان في مدينة أكسلاشابل

Aix-la-chapelle

جاء مستنجدا به أمير برشلونة المسلم وعم الحكم أمير قرطبة.

36

وفي تلك السنة نفسها بينما كان لويس بن شارلمان ملك أكيتانيا عاقدا مجمعا في طلوزة، جاءه رسول من الأذفونش ملك جليقية وأشتورية، يلتمس حشد جميع القوات المسيحية وتجريدها لقتال العدو العام، ثم وفد أيضا على هذا المجمع رسول من قبل أمير مسلم في ناحية وشقة (Huesca)

يقال له: «باهالوك» يريد أن يسالم المسيحيين.

37

فظهر أن الغرة كانت لائحة لأخذ الثأر من المسلمين وللدخول إلى إسبانية، وكان لويس ملك أكيتانيا وأخوه شارل (أو كارل) قد شنا الغارات في أطراف المقاطعات التي تشرب من نهر إيرة، ثم عاد لويس فأجاز البيرانه من جهة آراغون، وحاصر وشقة التي كان أميرها قد أرسل بمفاتيحها إلى شارلمان، ولكن لما جاء الفرنسيس لتسلم بلدته امتنع عليهم ولبس لهم جلد النمر، وفي ذلك الوقت كان عبد الله عم الحكم أمير قرطبة قد استولى على طليطلة، وعمه الآخر سليمان استقر في بلنسية، فسرح جيشا لقتال عمه عبد الله في طليطلة، وسار هو بنفسه مع جيش من الفرسان قاصدا البيرانه، فأدخل في الطاعة برشلونة وغيرها من المدن التي كانت أشرطت نفسها للعصيان، ومن هناك قصد الجبال وأوقع بالمسيحيين وسبى منهم كثيرا نساء ورجالا، واتخذ الحكم من أسراه حرسا خاصا وهو أول أمراء قرطبة الذين اتخذوا حرسا خاصا من الأسرى والأجانب، وقد رجع الحكم من تلك الغزاة مظفرا منصورا،

تاريخ غزوات العرب في فرنسا وسويسرا وإيطاليا وجزائر البحر المتوسط · الصفحة ٤٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تاريخ غزوات العرب في فرنسا وسويسرا وإيطاليا وجزائر البحر المتوسطص ٤٥