وكان العرب عندما فتحوا الأندلس أبقوا للمسيحيين حريتهم الدينية، فكان يوجد أساقفة في قرطبة وطليطلة والمدن التي من الدرجة الأولى
12
وكان لهم قسيسون في كل مكان وجدوا فيه، إلا أنه لا يظهر أنه كان يوجد في المدن الثغرية التي كانت مترددة بين حكم المسلمين وحكم النصارى أساقفة ينظرون في شؤون المسيحيين الروحية وكان المسلمون في إحدى الحروب هدموا مدينة طر كونة
13
فلم يبق فيها مركز أسقفي فصارت أمور بلاد كتالونيا الروحية مربوطة برئيس أساقفة أربونة في فرنسة، وقد كان أيضا رئيس أساقفة أوش من مقاطعة جيرس
Gers
في فرنسة ينظر في شؤون مملكة أراغون الروحية، وكان شارلمان يفصل خصومات المسيحيين الإسبانيين فيما بينهم، وكان يتوسط لهم عند الباب فيما إذا كانت لهم رغائب إليه أو قضايا عنده.
وسنة 777 ثار أميران من أمراء المسلمين في مقاطعات نهر إيرة، وخرجا من طاعة السلطان في قرطبة، فاجتازا البيرانه قاصدين شارلمان في وستفاليا
Westphalie
14
حيث كان منعقدا مجلس حافل، وكان أحد هذين الأميرين وهو المسمى سليمان، في أثناء وجوده أميرا على سرقسطة، قد قاتل عساكر أمير قرطبة وأخذ قائدها أسيرا وجاء به وقدمه كهدية إلى شارلمان، ويزعم مؤرخونا أن هذا الأمير دخل في طاعة الإمبراطور الإفرنسي.
15
وكان شارلمان مترصدا فرصة كهذه حتى ينقض على إسبانية ويملك ولو جانبا منها، فأمر بالنفير العام وتوافت إليه المقاتلة من ألمانية وفرنسة ولمبارديه، وزحف بهم قاصدا البيرانه، وكان ذلك سنة 778 ولم يكن يشك في كون الأهلين سيهرعون من كل ناحية إليه، يجتمعون تحت لوائه، ولكن أخطأ حدسه هذا؛ لأن المسلمين عندما جاء بنفسه قاوموه بالسيف وظهر أنه لم يكن مقصد بعض أمرائهم من خطبة وده إلا الاستعانة به على استقلالهم، وأما المسيحيون في الجبال فقد آلوا هم أنفسهم أيضا أن لا يخضعوا لحكم الأجنبي أيا كان، فما وصل شارلمان إلى البيرانه حتى وجد نفسه محاطا بالأعداء فضيق الحصار على بنبلونه
16
ولم يفتحها إلا بعد قتال شديد، وكذلك قاومته مدينة سرقسطة، ويقول المؤرخون المسيحيون: إنه استولى عليها ذلك اليوم وأنه أخذ أميرها أسيرا وأرسله مكبلا إلى فرنسة، وأما مؤرخو العرب فينكرون ذلك، ويقولون: إنه فشل في هجومه على سرقسطة فشلا تاما، ولكن بعد ذلك جرى أن قتل أمير سرقسطة غيلة فالتجأ ابنه إلى فرنسة.
17
أما أمراء برشلونة وجيرونة ووشقة فقد أرسلوا رهائن من قبلهم إلى شارلمان.
وبينما شارلمان يحارب في شمالي إسبانية إذ جاءه الصريخ بأن أمة الصكصون أبت بأن تترك ديانتها الوثنية وبأنها زحفت للقتال، فاضطر شارلمان إلى مغادرة إسبانية عائدا إلى فرنسة، وبينما هو في طريق رجوعه وعند وصوله إلى وادي «رونسفو
Roncevaux » انقض عليه المسيحيون الجبليون، وساعدهم في ذلك المسلمون، فأوقعوا بساقة جيشه واستأصلوها، وهلك ذلك اليوم كثير من أبطال الفرنسيس بينهم فيما يقال «رولان
Roland » الفارس الشهير.
وبالاختصار كانت الجهات الشمالية من إسبانية أشبه بالثغور لفرنسة كما كانت بلادا ثغرية للعرب، وكان العرب يسمونها إفرنجة لكونها طالما ألحقت بمملكة أكيتانيا، وكان شارلمان قد جعل أكيتانيا لابنه لويس الذي جعل كرسي ملكه طلوزة أو طولوز.
فبعد أن قفل شارلمان من إسبانية عادت فعصت عليه المدن التي كانت أطاعته قبلا، وحنق المسلمون على المسيحيين وجعلوا ينتقمون منهم، بحجة أنهم كانوا السبب في مجيء الفرنسيس، فلجأ عدد من المسيحيين إلى الجبال وكانوا يتحملون شظف العيش ويلبسون جلود السباع، ولا يبالون بسكنى البراري، ولكن المترفين من المسيحيين الذين لم يكونوا يستطيعون السكنى في الأوعار، التجأوا إلى شارلمان، ووزع هذا عليهم أراضي في بسائط أربونة، ولم يفرض عليهم من الضرائب شيئا إلا الخدمة العسكرية، وقيل: إنه كان بين هؤلاء المهاجرين أناس مسلمون ارتدوا إلى النصرانية كما يظهر من أسمائهم