تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وفي سنة 733 ذهب حجاج من الغرب إلى بيت المقدس والناصرة وكانوا يجولون آمنين في فلسطين والشام وزاروا قصر الخليفة نفسه في دمشق ولم يعترضهم أحد

3

ولا خافوا ولا حزنوا.

وكان الخلفاء العباسيون يعاملون الدولة الإفرنسية أحسن معاملة، ويتبادلون وإياها التحف والألطاف، وإن كان قد وجد من عمالهم في إفريقية من يشن الغارات على سواحلنا، في الأحايين، فما ذاك إلا لتباعد المسافات بين أولئك العمال وبين مركز الخلافة العباسية.

هذا ومنذ استرجع «ببين» القصير «أربونة» وأجلى العرب عنها سكنت الأمور بين مسلمي الأندلس والفرنسيس، وكان «ببين» يعد «البيرانه» هي التخم الطبيعي بين فرنسة وإسبانية، وكان عبد الرحمن مشغولا حينئذ بمحاربة الأمراء الخارجين عليه، ولم يكن «ببين» يهمل شيئا من الوسائل لإثارة نيران الفتن بين المسلمين، وسنة 759 أي بعد استرداد الفرنسيس لأربونة دخل أمير برشلونة المسمى سليمان

4

في علاقات مع «ببين » وتعاهد معه.

5

ومؤرخو الفرنسيس يزعمون أنه انضوى تحت لواء «ببين» ولكن الأصح أن يقال: إنه ما قصد إلا أن يستعين به على الاستقلال عن سلطانه، ومن بعد ذلك أصبحت هذه خطة أمراء المسلمين في شمالي الأندلس، فيوم يضغط عليهم السلطان في قرطبة يلجأون إلى فرنسة، ينشدون عندها التنفيس من حناقهم، وإذا ظهرت لهم مطامع الفرنسيس بحق بلادهم عادوا إلى رئيسهم في قرطبة واعتصموا به، وكانت تساعدهم على الاستقلال طبيعة البلاد التي كانوا فيها فإنها بلاد جبلية كثيرة الأوعار صعبة المرتقى يسهل على المقاتلة بها، ولو كان عددها قليلا، أن تشاغل الجيوش الجرارة، وكان العرب يسمون «قشتالة» القديمة و«ألبة» بلاد «البا» و«القلاع»

6

وكانوا يسمون النابار بلاد البشكنس، وربما أطلقوا هذا الاسم على البلاد التي وراء البيرانه إلى جهة فرنسة؛ لأن أصل الأهالي واحد سواء في السفح الجنوبي أو السفح الشمالي من البيرانه.

وكان العرب يسمون البيرانه جبل البورتات وهذه اللفظة مشتقة من الكلمة اللاتينية

Portus

وبالإسبانيولية

Puerto

ومعناها الممر؛ وذلك لأنه من هناك كان الممر من الأندلس إلى الأرض الكبيرة، وكان يوجد في البيرانه أربعة أبواب معروفة عند العرب: الأول طريق برشلونة إلى أربونة على مدينة «پربينيان»

7

الحاضرة. والثاني: طريق «بويسردا» على «سردانة».

8

والثالث: الطريق الذي يؤدي من «بنبلونة» إلى «سان جان بييه دوپور»

9

والرابع: طريق طلوزة إلى بايون.

10

وكانت طرق البيرانه في القرون الوسطى أوعر مما هي الآن بلا نكير.

وكما كان ببين ملك فرنسة كثير التضريب بين أمراء المسلمين، لا يفتأ يغري بعضهم بالإيقاع ببعض، كان الخليفة العباسي المنصور بعد أن بنى بغداد مجتهدا أيضا في توحيد المملكة الإسلامية كما كانت لعهد بني أمية، ولذلك أرسل من سواحل إفريقية أسطولا فيه عساكر لمقاتلة عبد الرحمن الأموي الملقب بالداخل

11

ووجد من أمراء المسلمين بالأندلس من مالأه على عبد الرحمن، ولما كان ببين لا يخشى عادية المنصور، بمكانه من البعد عن فرنسة، وكان يرجو نصرته لكون عدوهما واحدا أسرع إلى الدخول في العلاقات مع المنصور، وأمل منه الجذب بضبعه.

وفي سنة 765 أرسل رسلا إلى بغداد لبثوا ثلاث سنوات حتى رجعوا إلى فرنسة ومعهم رسل الخليفة، فنزلوا في مرسيلية وصعدوا إلى مقر ببين فبالغ في الاحتفاء بهم وقضوا ذلك الشتاء في مدينة «متز» باللورين، ثم أمر بإقامتهم في قصر سلس

Sels

على ضفاف اللوار ثم أعيدوا إلى الشرق، عن طريق مرسيلية، ومعهم الهدايا إلى الخليفة.

هذا وقد اتبع شارلمان خطة أبيه «ببين» في هذا المعنى فما استوسق له الأمر حتى أخذ يداخل أمراء الأندلس، من مسلمين ومسيحيين، فكان يقول لهذا الفريق: إنه إنما يريد ليحررهم من طاعة أمير قرطبة ويساعدهم على استقلالهم ويخفض جناح الرحمة لهم، ولذلك الفريق أنه هو حامي النصرانية الطبيعي الناصر للنصرانية الحافظ للكنيسة الأصلية القامع للبدع ... إلخ.

تاريخ غزوات العرب في فرنسا وسويسرا وإيطاليا وجزائر البحر المتوسط · الصفحة ٤١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تاريخ غزوات العرب في فرنسا وسويسرا وإيطاليا وجزائر البحر المتوسطص ٤١