وكانت الغزوات الإسلامية البحرية، صدر الإسلام، موجها أكثرها إلى مملكة الروم، ولما استولى العرب على مدينة قرطاجنة لم يفكروا في أول الأمر أن يجاهدوا فيما وراء البحر، ولذلك بنو مدينة القيروان على مسافة بعيدة عن الشاطئ، ولما غزا موسى بن نصير الأندلس لم يكن عنده إلا أربع سفن لا غير، كانت تذهب وتجيء لنقل الجنود من إفريقية إلى جبل طارق.
227
وعند ذلك فهم موسى ضرورة بناء الأساطيل وأنشأ دور الصناعة في كثير من مرافئ الأندلس، وكذلك كانت للعرب مرافئ كثيرة ممتدة من جبل طارق إلى طرابلس الغرب، وسنة 736 أنشأ العرب دار صنعة عظيمة في تونس، وكان لهم في الأندلس قائد للبحر اسمه أمير الماء
228
ويظن أن لفظة (أميرال) محرفة عنها، وذكر مؤلفو العرب أن موسى غزا جزيرة سردانية سنة 712، وذكر مؤرخو المسيحيين غزاة للعرب في جزيرة كورسكا
229
وكانت جزائر سردانية وكورسكا وصقلية تابعة لملك القسطنطينية، ففي البداية كان العرب يكتفون بانتقاصها من أطرافها ولكن أخذوا فيما بعد يتوغلون في الداخل.
وكان أول نزول العرب في سواحل فرنسة، هو في جزيرة «ليرين»
230
بقرب عين الطيب.
231
وقد اختلف المؤرخون في التاريخ الذي يقال: إن العرب غزوا فيه هذه الجزيرة. فقالوا: إن ذلك وقع سنة 728. وقالوا: بل سنة 739 وكان في هذه الجزيرة دير شهير تخرج منه آباء للكنيسة وأساقفة مشهورون، ويوم كبسه العرب كان فيه خمسمائة راهب آتين من فرنسة وإيطالية وسائر بلاد أوربة، وكان رئيس هذا الدير القديس «پورسير»
232
فلما قرب المسلمون من الدير جمع القديس الرهبان بأجمعهم وقال لهم: إنه يجب عليهم أن ينتظروا الموت، وإنما أرسل إلى البر الأحداث الذين كانوا يتعلمون في الدير، فلما نزل المسلمون في الجزيرة فتشوا عن غنائم يأخذونها فلم يجدوا شيئا ذا بال، فعرضوا على الرهبان الإسلام، فلم يقبل أحد أن يترك دينه فذبحوهم جميعا.
ومات شارل مارتل سنة 741 وخلفه ابنه بيين القصير، واشتغل في توطيد ملكه في شمالي فرنسة وجنوبيها، بحيث كان يمكن العرب أن يغتنموا هذه الفرصة ويحددوا غاراتهم على جنوبي فرنسة ويبلغوا منهم مرادهم، ولكن وقع الشقاق بين العرب أنفسهم فعاقهم عن كل عمل من هذا القبيل، فإن العرب لم يكونوا في هذه الغزوات وحدهم بل كان معهم البربر، وكان القبيلان في نزاع دائم، كما أنه كان العرب أنفسهم منقسمين إلى يمانيين وهم أبناء قحطان، وإلى عدنانيين وهم أبناء إسماعيل بن إبراهيم. وكانت الحروب دائمة بين هذين الشعبين، لشدة ما عند العرب من العصبية، فبعد أن وقعت في بلاد العرب امتدت إلى مصر والشام ثم الأندلس وفرنسة.
وفي ذلك الوقت أعفى العرب الأقوام الذين خضعوا لهم وساروا معهم من الجزية التي كانوا ضربوها عليهم، ومنهم البربر، فاعتاد هؤلاء أن لا يؤدوا شيئا، إلا أنه في سنة 737 عاد أمير إفريقية فتقاضى البربر الجزية فعصوا عليه، وكانوا أقواما أشداء نشأوا على صهوات الخيول، فلم يقدر الأمير على تدويخهم، واضطر عقبة أمير الأندلس أن يجيز إلى بر العدوة، أي: إلى إفريقية، لإدخال البربر في الطاعة. وهكذا تمكن شارل مارتل، في غياب عقبة في إفريقية لإدخال البربر في الطاعة، أن يخضد شوكة العرب في جنوبي فرنسة.
233
ثم اشتدت ثورة البربر في إفريقية ظهروا على العرب ولجأ فريق من العرب إلى الأندلس، وكان العرب والبربر الذين في الأندلس قد تقاسموا الأراضي فيما بينهم، سواء في الأندلس أو في جنوبي فرنسة، فخافوا من أن هذا الفريق الذي دخل الأندلس من العرب ينازعهم على الأراضي، وقصدوا أن يجلوهم عن البلاد، وكان الأمير عبد الملك أمير الأندلس عدوا لهؤلاء العرب الذين دخلوا الأندلس، فقتلوه ونصبوا رأسه على جسر قرطبة، وكان في أربونة أمير اسمه عبد الرحمن، من أنصار عبد الملك فزحف من أربونة بجيش يقال: إنه بلغ مائة ألف مقاتل، وكان يريد الأخذ بثأر عبد الملك، فوصل إلى قرطبة واقتتل الفريقان ورمى عبد الرحمن قائد جيش العدو بسهم فقتله، وقفل إلى أربونة بعد أن أخذ بثأر صديقه.