234
ولم يكن في وسع الخلفاء في دمشق أن يعيدوا السكون إلى نصابه في بلاد بعيدة كبلاد الأندلس؛ لا سيما أن الثورات كانت تتوالى في الولايات الشرقية فتشغلهم عن المغرب، وهكذا تغيرت الحالة في جنوبي فرنسة، وخلا الجو للمسيحيين، برغم قصر باع ببين القصير وفتور همته، وكان المسلمون الذين في أربونة قد استولوا على مدينة نيم والمدن المجاورة لها، ولكن الحاميات الإسلامية في تلك المدن أخذت تخف شيئا فشيئا، فصار في نيم وفي بيزييه وفي ماغلون إدارة أهلية مستقلة بعض الشيء، وأصبح لكل من هذه البلدان أمير يدير أمورها لكنه معترف بسلطان المسلمين.
235
ومثل هذا حصل في شمالي إسبانية، أي في أشتورية ونابار وغيرهما.
وفي سنة 747 تولى قيادة الأندلس أمير اسمه يوسف
236
فأنفذ ابنه عبد الرحمن بجيش، إلى البيرانه، لأجل تدويخ تلك البلاد؛ ولكن المسيحيين قاوموه بالسلاح مقاومة شديدة، وكانت طرق الاتصال بين مسلمي أربونة وبين قرطبة، تكاد تكون منقطعة، بسبب جبال البيرانه، ولذلك لم يطل الأمر حتى ابتدأ المسيحيون في السبتيمانية ينتفضون على المسلمين، وكان يتنازع هذه البلاد، أي المدن السبع، فيفر
237
بن أود دوق أكيتانيا وببين بن شارل مارتل، وكان وببين قد نال من البابا لقب ملك، وهو اللقب الذي لم ينله أبوه برغم جميع ما بلغه من الشهرة والمكانة.
وفي سنة 752 سار وببين بجيش إلى اللانغدوق، واستولى على نيم وأقت وماغلون وبيزيه.
238
وبعد ذلك زحف لحصار أربونة وضيق عليها بجميع قوته، ولما وجد أن أمر حصارها يطول أبقى جانبا من عساكره حولها تحت قيادة أمير من أمراء القوط اسمه أنسماندوس
239
إلا أن العرب قتلوا أنسماندوس هذا في كمين عملوه له، وصادف ذلك حصول مجاعة في جنوبي فرنسة عطلت حركات الجيوش.
وكان بنو العباس في الشرق قد تغلبوا على بني أمية، ونقلوا مركز الخلافة من دمشق إلى بغداد واستأصلوا الأمويين، وتعقبوهم في كل مكان، ففر منهم واحد إلى إفريقية ومنها أجاز إلى مالقة فتلقاه عرب الأندلس كمنقذ لهم، وكان اسم هذا الأمير عبد الرحمن
240
وكانت هذه الواقعة سنة 755 وقد قدر أن يكون على يد هذا الرجل وأعقابه أعظم مجد ممكن لمسلمي إسبانية، وفي أيامهم تأثلت المدنية العربية في الأندلس تأثلا لا تزال له آثار باهرة هناك إلى اليوم، وإلى يوم مجيء عبد الرحمن لم يكن لأمراء المسلمين في الأندلس شغل إلا بقتال بعضهم بعضا فلم يؤثروا آثارا خالدة.
وقد لقي عبد الرحمن نفسه خطوبا وأهوالا، وبقي يسكن الثورات ويرتق الفتوق مدة طويلة، ولكنه تمكن أخيرا من توطيد سلطته وتمكين استقلاله، واستوسق له أمر الأندلس بتمامها، إلا أنه لم يقدر أن يتجاوز إلى غيرها، فلذلك تحاشى أن يتلقب بلقب الخليفة واقتصر على لقب أمير، وبقي أعقابه إلى القرن العاشر مكتفين بهذا اللقب، وإنما كانت عاصمتهم قرطبة مركزا للعلوم والصنائع ومبعثا لأشعة المعارف.
وبعد أن رسخت قدم عبد الرحمن الأموي في الأندلس، فكر في مدينة أربونة وما يليها من جنوبي فرنسة، وسرح جيشا تحت قيادة أمير اسمه سليمان، زحف إلى البيرانه أملا برفع الحصار عن أربونة، ولكن المسيحيين كبسوهم في تلك الأوعار، فانهزموا هزيمة تامة.
ولما كان جمهور أهالي أربونة من المسيحيين، وقد ضرسهم حصار أربونة بنابه ولم يعد لهم طاقة بتحمل تلك الحالة، داخلوا الملك ببين سرا على أن ينتفضوا على المسلمين وينضموا إلى جيشه، بشرط أنهم يكونون في المستقبل أحرارا في بلدتهم، وتكون إدارة أمورهم بحسب عرف القوط، وهكذا تم الاتفاق بينهم وبين ببين، فبينما كانت الحامية الإسلامية غافلة عما يصنعون كبسوها على غفلة منها، وذبحوها بأجمعها، وفتحوا أبواب البلدة للفرنسيس، وكان ذلك سنة 759 فانقرضت حكومة الإسلام من أربونة، وأبقى الملك ببين جيشا وافرا لأجل حراسة البلاد.