تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

216

وكانت مواصلات مسلمي الأندلس مع مسلمي سبتيمانيا أكثرها من طريق البحر نظرا لكون أهالي جبال البيرانيه المسيحيين حائلين بين الفريقين، فلما وصل الخبر إلى عقبة بأن شارل مارتل قد ضيق الحصار على أربونة أرسل جيشا في البحر، لنجدة هذه البلدة، تحت قيادة رجل يقال له: عامر.

217

فلما عرف شارل مارتل بمجيء هذا الجيش الجديد جاءه بغتة قبل أن يتأهب للقتال فأخذ المسلمون على غرة وكانت هزيمتهم تامة، وقتل أميرهم ولم ينج منهم إلا فل قليل خلصوا إلى مراكبهم وآخرون وصلوا إلى «أربونة»، ولكن برغم هذا كله لم يتمكن شارل مارتل من أخذ «أربونة» وصعرت له خدها، وفي تلك الأيام جاءه الخبر بأن الفريزون والسكسون أشعلوا الثورة من جديد، فاضطر شارل أن يرحل عن «أربونة» ولكنه قبل رحيله خرب القلاع التي كانت في «بيزيه»

218

و«أقد»

219

ودمر أبواب مدينة «نيم»

220

الشهيرة وقسما من الملهى الروماني الذي كان فيها خوفا من أن يتحصن به العرب، وكذلك دمر مدينة «ماجلون»

221

وأخذ المسلمين الذين فيها أسارى ومعهم أيضا أناس من المسيحيين أبقاهم رهائن عنده.

ولا يمكن أن يقال: إن جميع أهالي جنوبي فرنسة كانوا يحبون شارل مارتل، ولو كان قد دفع عن النصرانية غارات المسلمين؛ لأن هؤلاء الأهالي كانوا ينظرون إلى هذا الرجل وقومه كبرابرة من أهل الشمال، بينما هم يرون أنفسهم أمة ذات مدنية قديمة من زمان الرومانيين، ولا نزاع في أن المسلمين كانوا قد خربوا الكنائس والأديار وما يخصها من الأراضي، ولكن شارل مارتل عندما جاء ودفع عادية المسلمين عن تلك البلاد لم يرد تلك العقارات على الرهبان والأساقفة، بل وزعها على رجال الحرب من أنصاره، فبقيت الكراسي الأسقفية خالية. ويقال: إن «فليكارپوس»

222

مطران «فيين» بعد أن خرج المسلمون من البلاد لم يرجع إلى أسقفيته، لخلو الكرسي مما يقوم بأوده، فذهب إلى «فاله»

223

حيث جعلوه رئيسا لدير «سين موريس»

224

وكان الأحبار ورجال الدين يؤولون هذه المصائب بأنها عقاب صبه الله تعالى على هام العباد تنبيها لهم للرجوع إلى طريق الفضيلة.

225

ولم يخل الأحبار ورجال الدين من أناس تعلقوا بشارل مارتل الذي تولى كبر دفع المسلمين عن أوربة، وأشهر هؤلاء «هينماروس» مطران «أوكسير»

226

الذي كان يحارب في جيش شارل مارتل بنفسه ويقاتل المسلمين في البيرانه، وهو في ثوب الأسقفية.

وكان موروند دوق مرسيلية قد فر هاربا من وجه شارل مارتل، وبقي متواريا إلى أن غادر شارل مارتل جنوبي فرنسة عائدا إلى الشمال، فلما ذهب شارل مارتل شمالا ظهر موروند من مخبأه، وجدد علاقاته مع المسلمين، وقاموا بعمل واحد، فبلغ الخبر شارل مارتل، وفي سنة 739 زحف إلى الجنوب ومعه أخوه شيلدربرند واستولى على مرسيلية ومن ذلك الوقت أصبح المسلمون في أربونة لا يجرؤون على عبور نهر الرون.

وليست عندنا معلومات يوثق بها عن كيفية معاملة المسلمين لأهالي مقاطعة بروفانس، ويجوز أن يكون اتفاقهم مع موروند قد جعلهم أقل ضغطا على بلاده مما كانوا في غيرها، ولكن نزلت على بلاد بروفانس و«لانغدوق» مصيبة ثانية، وهي غارات المسلمين البحرية التي كانت سواحل جنوبي فرنسة دائما عرضة لها.

وكان المسلمون في أول الأمر لا يحبون ركوب البحر، ولكن بعد أن فتحوا سورية ومصر وإفريقية اضطروا إلى استعمال الأساطيل البحرية، وبعد وفاة الرسول بخمس عشرة سنة غزا معاوية أمير الشام جزيرة قبرص، وفي سنة 669 غزا العرب جزيرة صقلية، ومن ذلك الوقت لم تبرح سواحل سلطنة القسطنطينية عرضة للغارات البحرية الإسلامية، وكانت طوائف الأساطيل الإسلامية، في بادئ الأمر، جمعا مؤتشبا من الأفاقين ومن النصارى الذين أسلموا، ومن الشذاذ من كل قوم، ولكن المسلمين فيما بعد تعودوا ركوب البحر والغزو فيه طمعا في الغنائم، ومنهم من كان يغزو في البحر جهادا في سبيل الله وابتغاء الأجر والثواب، وصاروا يروون أحاديث عن الرسول معناها الحث على الجهاد في البحر، حتى بلغت بهم الحماسة إلى أن النساء صرن يغزون في البحر، ومنهن «أم حرام» امرأة أحد الصحابة التي ماتت في غزاة بحرية في قبرص، وقيل: إنه لما ذهب الأسطول الإسلامي يغزو القسطنطينية، كان أحد أولاد الخليفة عمر حاضرا، فسأل أمير البحر عن ذنوب الغزاة المجاهدين، فأجابه الأمير بأن آثامهم معلقة في أعناقهم، فأجابه ابن عمر: والذى نفسي بيده، لقد تركوا آثامهم على الشاطئ. وعزوا إلى الرسول أنه قال: إن الجهاد في البحر فيه عشرة أمثال أجر الجهاد في البر.

تاريخ غزوات العرب في فرنسا وسويسرا وإيطاليا وجزائر البحر المتوسط · الصفحة ٣٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تاريخ غزوات العرب في فرنسا وسويسرا وإيطاليا وجزائر البحر المتوسطص ٣٧