199
ثم تقدم إلى بلاد اللنغدوق
200
وحصن المدن التي كانت منها في أيدي المسلمين، ثم أبعد المغار في بلاد العدو، وكانت بلاد «السبتيمانيا» و«بروفانس» في حالة الفوضى تقريبا، وكان كل ذي طمع فيها قد انفرد بإمارة واستأثر بزعامة، وكان بعض من هؤلاء الزعماء ينضوون تحت جناح دوق أكيتانية والآخرون يتفيأون في ظل شارل مارتل، وذلك مصانعة لكل منهما، ولكنهم كانوا في الحقيقة إنما يريدون الاستقلال بإماراتهم، وكثيرا ما كانوا يتحدون يدا واحدة مع المسلمين الذين كانوا في أربونة، وذلك ليتقوا بأس أولئك الملوك الكبار ومن هؤلاء الأمراء «موروند» الذي كان يلقب بدوق مرسيلية والذى كان بيده أكثر مقاطعة بروفانس.
وفي تلك المدة كان شارل مارتل مشغولا يبسط سلطته على برغونية وعلى مقاطعة ليون، حيث كان المسلمون قد شنوا الغارات وأهرجوا البلاد وأمرجوها، ثم إنه زحف لقتال «الفريزون»
201
فشغلوه أيضا عن قتال المسلمين.
وفي سنة 734 اتفق يوسف أمير أربونة العربي مع موروند دوق مرسيلية وزحف المسلمون بجيش جرار، وعبروا نهر الرون واستولوا على مدينة «آرل» ونهبوا أديار الرسل والعذراء
202
وهدموا قبر سان «سيزير»
203
ثم تقدموا إلى أواسط بلاد البروفانس، وحاصروا مدينة «فريتا» المعروفة اليوم «بسان ريمي»
204
واستولوا عليها، وساروا منها نحو «آفينيون» وعبثا حاول مقاتلة «آفينيون» صد المسلمين في ممر «دورانس»
205
فإن المسلمين ذللوا كل العقبات، وكانت «آفينيون» في ذلك الوقت عبارة عن الصخرة التي بني عليها فيما بعد قصر الباباوات، وهو المكان الذي كان مؤلفو العرب يسمونه بصخرة أبنيون، وقد بقي المسلمون في ذلك الوقت أربع سنوات محتلين بلاد «بروفانس»
206
وكان «أود» دوق أكيتانيا قد توفي سنة 735 فجاء شارل مارتل واستولى على بلاده وخضع له أولاد الدوق المذكور.
وأما الأمير عبد الملك
207
فبعد أن أهب الله له ريح النصر في هذه الغزوات بأرض فرنسة، عاد إلى جبال البيرانيه، لتدويخ الأهالي الباقين على العصيان، فصادفته أنواء وأمطار وهو في جبال وأوعار فوقعت عليه هزيمة، وعندما بلغ الخليفة ما أصابه قلد إمارة الأندلس أميرا غيره اسمه عقبة
208
ولم يبق في يد عبد الملك سوى إمارة المقاطعات التي في جوار البيرانه.
وكان عقبة هذا رجلا يتقد حمية على الإسلام ويرى في الجهاد قرة عينه، ويقول مؤرخو العرب: إنه اختار إمارة الأندلس حبا بالجهاد والرباط، وكان إذا وقع في يده أسير من المسيحيين لا يهمل أن يعرض عليه الإسلام، وفي أيامه حصن المسلمون جميع المواقع التي أمكنهم تحصينها في بلاد اللنغدوق، حتى ضفاف نهر الرون، وشحنوها بالمقاتلة، وفي ذلك الوقت أعادوا المغار كما بدا على بلاد «دوفينيه»
209
فخربوا بلدة «سان بول» المعروفة بالثلاثة القصور و«دونزير»
210
واحتلوا «فالانس»
211
وأصبحت جميع الكنائس المجاورة لمدينة «فيين»
212
على ضفتي الرون قاعا صفصفا.
وكان المسلمون للأخذ بثأر جيشهم الذي قهره شارل مارتل في بلاط الشهداء قد احتلوا مدينة ليون من جديد، وبثوا الغارات منها على بلاد «بورغونية» فأخذ شارل مارتل يتأهب لقتالهم، وقد كان وافقه الحظ من جهة الشمال والشرق حيث سكنت الثورات التي كانت ثائرة عليه، فسرح أخاه «شيلد براند»
213
بجيش إلى ليون، وأرسل يستصرخ «لويتبراند»
214
ملك «اللومبارديين» في إيطالية ليوافيه بجيش لقتال المسلمين الذين كانوا ألبا واحدا مع موروند دوق مرسيلية، وقد تمكنوا من جبال «دوفينه» و«بييمونت».
215
فجاء شيلد براند (أخو شارل مارتل) وحاصر المسلمين في آفينيون واستعمل في حصارها الآلات المعروفة لذلك العهد، وتبعه شارل مارتل نفسه بجيش جديد، وجاء لويت براند ملك اللومبارديين بجيش آخر من إيطالية، فاستولوا على أفينيون عنوة واستأصلوا من بها من المسلمين، وتقدم بعد ذلك شارل مارتل صوب أربونة وكان فيها أمير يقال له بحسب تلفظ المؤرخين القدماء: «أتيما»