ولما رأى شارل مارتل أن العدو أقلع بقضه وقضيضه وزع على عساكره ما وجده في مخيم العرب من الغنائم المركومة، ولكنه لم يتأثر العرب في طريقهم وهم قافلون، وعللوا ذلك بأنه خشي أن يكون انكفاؤهم إلى الوراء استدراجا ومكيدة، أو أنه قد أمن بعد هذه الوقعة على مملكته وأصبح لا يخشى عليها شرا، فلذلك قطع نهر اللوار، راجعا إلى الشمال، مفتخرا بما أحرزه من النصر الباهر، ومنذ ذلك اليوم لقبوه بمارتل (أي المطرقة) سموه بها لمتانته ولما سد به بنفسه من الثلم التي كانت تقع في جيشه.
ولا يمكن قبول روايات بعض مؤرخي المسيحيين الذين أوصلوا عدد المسلمين الصرعى في تلك المعركة إلى ثلاثمائة وستين ألفا، فإن المسلمين ذلك اليوم لم يسقطوا كلهم صرعى، وما كان من الممكن جمع جيش مؤلف من خمسمائة ألف مقاتل في تلك الأيام وقد كانت الحروب الداخلية المستأصلة للرجال لا تنقطع، ثم على فرض المحال وأنه كان ممكنا حشد فيالق جرارة كهذه فكيف كان يمكن إيجاد الميرة اللازمة لهذه الفيالق الجرارة في البلاد التي تمر فيها، وقد كانت خربت تقريبا من توالي الغارات والرزايا، نعم لا ينكر أن هذا الجيش الذي قاده عبد الرحمن الغافقي، تلك النوبة، كان أعظم جيش وأحمس جيش قاده العرب إلى وطننا الجميل، وأنه كان قد هب للحرب كالريح المرسلة، وأدل دليل على ذلك هو كون فرنسة بأجمعها جمعت ذلك اليوم جموعها وجاءت بالشوك والشجر لمقابلة ذلك الجيش العربي المغير، وأن هذه المعركة لا تزال حتى اليوم شاغلة أعظم موقع في أذهان جميع الأوربيين.
وأما مؤرخو العرب فلم يكونوا يعلمون من تفاصيل تلك المعركة الفاصلة أكثر مما عرفه مؤرخو الإفرنج، وغاية ما ذكر العرب أن عددا كبيرا من رجالهم استشهدوا في بلاط الشهداء وهو الاسم الذي أطلقوه على تلك الواقعة، ويقولون: إنه لا يزال يسمع هناك دوي خفي هو ضجيج الملائكة الذين ينزلون من السماء للصلاة في ذلك المكان المقدس على الشهداء الذين لقوا فيه ربهم.
قال المستشرق رينو: وبعد هذه الهزيمة انكفأ فل الجيش العربي إلى البيرانه مدمرا كل ما مر به، ومن جملة ذلك دير سولينياك.
196
وقيل: إن الإفرنج عندما انكفأ العرب أعملوا في أقفيتهم السلاح إلى أن بلغوا أربونة، ولا يظهر أن هذه الرواية متينة
197
وقد كان تأثير هذه الهزيمة مختلفا جدا بين المسلمين والمسيحيين، فالمسيحيون استجدوا عزائمهم واستأنفوا صرائم، وهبوا في جبال البيرانه للأخذ بالثأر، واعتقدوا أن الله عاد معهم يؤيدهم على أعدائهم، والمسلمون استولى عليهم الوهل ونزل الوهن بعزائمهم، وأخذ الأتقياء منهم يقولون: إن ما حل بهم من الأدبار بعد الإقبال إنما كان جزاء وفاقا من الله تعالى على استرسالهم في معاصيهم وإمعانهم في ركوب أهوائهم.
وكان النائب في الإمارة الذي تركه عبد الرحمن الغافقي في قرطبة قد طير الخبر بهزيمة المسلمين في بلاط الشهداء إلى القيروان وإلى دمشق، فارتمض الخليفة لهذا الخطب وأرسل أميرا على الأندلس اسمه عبد الملك
198
وجهز معه جيشا وأمره بالأخذ بثأر المسلمين وشفاء صدور المؤمنين واستنفاد الوسع في هذا الأمر، فأقبل هذا الأمير على الأندلس، يحاول رتق الفتق ورفو الخرق، وأغذ بجيشه إلى البيرانه، وأخذ يخطب في الغزاة والمرابطة، ويشدد من عزائمهم، ويجدل سواعد المسلمين، ويحبك من مرائرهم ويبين فضائل الجهاد وعلو رتبة الاستشهاد، إلا أن كل هذه الخطب في المجاهدين لم تفعل فيهم الفعل الكفيل برأب ذلك الصدع، وكان نصارى شمالي إسبانية وجنوبي فرنسة قد رفعوا رؤوسهم بعد هذه الوقعة ونبذوا إلى المسلمين على سواء، وروى مؤرخ من مؤرخي العرب أن جيشا من الفرنسيس قطع وقتئذ البيرانه واستولى على بانبلونه وجيرونه.
أما الأمير عبد الملك فأعمل الحركة أولا إلى كتالونيا وأراغون ونافار