تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

170

غير أن حملات العرب لم يكن ليصدها شيء، فانهزم «أود» وفر بجيشه، وقطع أمله من ملكه، فتناسى جميع ما كان بينه وبين «شارل مارتل» من الأحقاد والضغائن، وأرسل يستصرخه، فلم يمكن «شارل مارتل» أو «قارله» إلا إجابة «أود» لا لأجل الإنسانية فقط بل لأجل السياسة؛ إذ كان جميع مصير فرنسة والممالك المجاورة لها متوقفا على نتيجة هذه الحرب فلو كان العرب تغلبوا ذلك اليوم على الإفرنج لما كانوا وقفوا إلا على ساحل البلطيق.

فامتد الصريخ في كل بلاد فرنسة وزحفت المقاتلة من كل صوب، وانضم الجميع تحت لواء «شارل مارتل» وبقي العرب يتقدمون إلى أن وصلوا إلى قريب من مدينة «تور»

171

وهناك علم عبد الرحمن الغافقي أن جيشا عظيما زاحف لمصادمته، وكان عبد الرحمن مع شدة بأسه وغرامه بالحرب عاقلا حازما بصيرا بالعواقب، ففكر ساعة فيما بين أيدي رجاله من الغنائم الثقيلة، وعلم ما يعوقهم عن القتال من اهتمامهم بحفظها، فهم بإعطاء الأمر إلى الجيش بترك جميع ما في أيديهم من الغنائم والأسلاب، ولكنه خاف من إغضاب عسكره فيما لو حملهم على تجرع هذه الكأس المرة؛ إذ قد تفتر همتهم وتلقس نفوسهم، فرجع عن عزمه هذا معتمدا على ما كمن في نفوسهم من شجاعة وصبر، ثم تقدم وحصر «نور» وأخذها عنوة بمشهد من جيش «شارل مارتل» وخيم بساحتها، ولما دخل العرب المدينة أسرفوا في القتل والنكاية، ثم تلاقى الجمعان بين «تور» و«پواتييه»

172

وكان عبد الرحمن هو البادئ بالمناجزة فاستمرت المعركة مدة طويلة، قبل أن يترجح النصر للإفرنج، ولما رأى عبد الرحمن الخلل قد ابتدأ يظهر في صفوفه ألقى بنفسه في وسط المعمعة يصطليها بيده، ودخل حتى بين صفوف الأعداء أنفسهم، يغامر مغامرة الجندي الذي هو من عرض الجند، إلى أن خر هناك صريعا، فلما رأى العرب مصرع قائدهم الأكبر نزل بهم الرعب ونكصوا على أعقابهم وبنكوصهم خمدت جمرتهم وسقط في أيديهم، فأذرع الإفرنج فيهم القتل وطرحوا منهم بالعراء ألوفا وما زالوا يعملون في أقفيتهم السلاح إلى «أربونة».

173

فلما وصل خبر هذه الفاجعة إلى الأندلس وإلى إفريقية زلزل المسلمون زلزالا شديدا، وعم الحزن واشتد البث ولبس المسلمون أثواب الحداد، فأسرع أمير إفريقية بإرسال عبد الملك بن قطن الفهري، خلفا لعبد الرحمن الغافقي، وأنفذ معه جيشا من خيل ورجل وبعث إلى الخليفة بدمشق يعلمه بفاجعة بلاط الشهداء وقتل الأمير عبد الرحمن الغافقي وبأنه أنفذ عبد الملك الفهري مكانه وجرد معه جيشا، فوافق الخليفة على عمل عامله وشمر للأخذ بالثأر وأمر بغزو بلاد فرنسة وأخذها بالسيوف من كل ناحية، فسار عبد الملك الفهري وفي نيته أن يأخذ بذحل المسلمين ويجبر الكسر الذي وقع، ولكن هيهات فقد كان بلغ بالمسلمين اليأس مبلغه، وذهب كل كلام القائد في استنهاض هممهم سدى، وسار منهم مع عبد الملك جيش إلى فرنسة لكنهم ساروا بصدور غير منشرحة وآمال غير منفسحة، وكيف يقاتل جيش تعوزه القوة المعنوية، فانهزم جيش عبد الملك في جبال «البيرانه».

وأخيرا أرسل الخليفة مكانه عقبة بن الحجاج (السلولي)، وكان اشتهر ببسالته وحسن تدبيره في حرب البربر بإفريقية فوصل إلى الأندلس، وانتعشت به الآمال بما كان عليه من زكاء السيرة والعدل وسداد التصرف، فبدأ بعزل العمال الذين عسفوا الرعية وحبس الذين غلوا من أموال الدولة أو قاموا بجبايات غير شرعية، وانتصر للضعفاء واقتص لهم من الأقوياء، وأمر الولاة بتجنيد فرق من الجند أرصدها لاستئصال قطاع الطرق، وأسس كثيرا من المدارس والمساجد على نفقة الدولة، وخصص لها الخدمة الكثيرين، وكان لا يميز في المعاملة بين أصناف رعيته، وبالإجمال فقد كان عقبة هذا كامل العدالة تام الرجولية لا يجد قائل فيه مطعنا، ثم نظر في سيرة سلفه عبد الملك الفهري فلم يجد عليه ما يؤاخذه به، فجعله أميرا على الخيالة، وأرسله إلى الثغر، وكان في نية عقبة أن يزحف إلى فرنسة بجيش جرار

تاريخ غزوات العرب في فرنسا وسويسرا وإيطاليا وجزائر البحر المتوسط · الصفحة ٣٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تاريخ غزوات العرب في فرنسا وسويسرا وإيطاليا وجزائر البحر المتوسطص ٣٠