ولم يكن يهدأ له بال إلا بغزو فرنسة حتى يدوخها ويضمها إلى إمارته أو يضم منها البلدان التي كانت من قديم الزمان تحت حكم القوط، فحشد جيشا جرارا من نخبة المقاتلة والصابرين في الحروب، واستنجد أمير إفريقية فأرسل إليه بجنود مختارة للجهاد، تتلظى شوقا إلى الجلاد، ولما وصلت نجدة أمير إفريقية سرحها عبد الرحمن إلى الدروب، وبعث إلى عثمان بن أبي نسعة أمير الثغر بأن يشاغل العدو بالغارات إلى أن يكون هو قد أطل بمعظم الجيش، فوقع من عثمان على باقعة شديد البأس كان بدون هذا ينافس عبد الرحمن على الإمارة، ولم يكن مرتاحا إلى عمل يبدأ به عبد الرحمن، وينال به حسن الذكر. وقد انضاف إلى هذا السبب في كراهيته لتلك الحرب أنه في إحدى غاراته على فرنسة وقعت في يده ابنة «أود» دوق أكتيانية، ويقال: إنها كانت تسمى «نوميرانسه»
162
ويقال: إن اسمها «مينين»
163
ولكنها كانت مشهورة باسم «لامبيجيه»
164
وكانت بارعة في الجمال مع مكانها من بيت الملك ، فهام عثمان بها حبا وتزوج بها كما تزوج عبد العزيز بن موسى بن نصير بالأميرة «أيجيلونة»
165
أرملة الملك «لذريق» فمن بعد أن أصبح عثمان بن أبي نسعة صهرا لدوق «أكيتانية» عقد مع أبيها معاهدة سلم ومهادنة أمن بها «دوق أكيتانية» غارات العرب ولو إلى مدة من الزمن.
فلما ورد أمر الأمير عبد الرحمن الغافقي إلى الأمير عثمان بن أبي نسعة بالزحف على بلاد حميه «دوق أكيتانية» وقع في حيص بيص، وراجع الأمير قائلا له: إنه لا يقدر أن يخفر جواره ولا أن يخرق العهد قبل انقضاء أجله، وكان عبد الرحمن قد عرف بزواج عثمان مع ابنة «أود» وأنه قد شغفه حبها فغضب من تلكؤ عثمان عن الزحف، وأفهمه أن ذلك العهد الذي كان عقده مع الإفرنج بدون علمه لا يعده هو موثقا له، وأن عليه أن يتحرك للجهاد بدون مراجعة، فلما قطع عثمان أمله من منع عبد الرحمن عن إعمال الغارة في بلاد «أود» أرسل إلى حميه يخبره بما وقع
166
حتى يأخذ حذره ويتخذ لنفسه وسائل الدفاع، فبلغ عبد الرحمن ما فعله عثمان، فأرسل جيشا إلى الباب تحت قيادة ابن زيان، انتخبه من أصدق رجاله، وأمره بأنه إن تمكن يقبض على عثمان بن أبي نسعة ويرسله إليه، وإن أبى الطاعة يهدر دمه، فوصل ابن زيان بعسكره بغتة إلى مقر عثمان، وهو ينوي القبض عليه، ففر هذا في الجبال ومعه بعض أعوانه واستصحب أيضا زوجته الأميرة «لامبيجيه» التي كان لا يفارقها ولا يرى الدنيا إلا بها، فسار الجيش في إثره حتى أدركوه وأحاطوا به، فتفرق عنه أصحابه في تلك الأوعار ولم يبق معه سوى زوجته الحسناء، فدافع عن نفسه وعنها دفاع الأسود حتى أردوه قتيلا، وفي جسمه ما لا يحصى من طعن وضرب، فاحتزوا رأسه وأتوا به وبالأميرة الحسناء إلى الأمير عبد الرحمن، فلما رأى عبد الرحمن هذه الغادة هتف قائلا: والله ما كنت أظن أنه يوجد مثل هذا الصيد في جبال البرانس. وقد وقعت هذه الواقعة سنة 730 وفق 113 ثم إن الأمير عبد الرحمن أرسل الأميرة إلى دمشق هدية للخليفة، وهكذا انتهت حياة الأميرة «لامبيجيه» ابنة دوق «أكيتانية» في حرم الخليفة الأموي في الشام.
167
ولما وصل خبر مصرع عثمان إلى دوق «أكيتانية» علم أن الحرب واقعة لا محالة وتأهب للدفاع الشديد، ولكن الجيش العربي اندلق من جبال «البيرانه» اندلاق السيول من الجبال، لا يقف في وجهه شيء، فاكتسح الأرضين من «نافارا»
168
إلى «بوردو»
169
وامتلأت أيدي المسلمين بالغنائم، ولما وصلوا إلى «بوردو» حاول أهلها أن يدافعوا عنها فكسروهم وأخذوا البلدة عنوة ووضعوا السيف فيها ونهبوها، وكان الأهالي الذين وقعوا في اليد يفدون أنفسهم بالمال، وأما أمير «بوردو» فقد قتل في المعركة.
وبعد أن انتهى عبد الرحمن من فتح بوردو تقدم إلى الشمال فوجد دوق «أكيتانية» في طريقه يحاول صده في مضيق «دوردون»