174
امتثالا لأمر الخليفة، ولكن لما وصل إلى «سرقسطة» جاءه الخبر بأن البربر في إفريقية ثاروا عودا على بدء، وأمره أمير إفريقية بأن يتولى قيادة الجيش الثائر للتنكيل بهم وأن يعبر البحر إلى طنجة، وهكذا اضطر عقبة أن يعدل عن غزو فرنسة وأجاز إلى طنجة واشتدت به عزائم العرب في إفريقية.
وكانت هذه الواقعة سنة 737 مسيحية وفق سنة 120 هجرية، وفي آخر هذه السنة توفي «بيلاي» بطل «أستورية» الذي كان هو وحده بنفسه نواة المقاوة بما بقي من قوة الإسبانيول في وجه العرب بعد أن استصفى هؤلاء جميع إسبانية وأخنوا على ملك المسيحيين بها، فإنه بطائفة قليلة من رجاله لم يزل يفر في جبال «أشتورية» من صخرة إلى صخرة إلى أن اعتصم بمغارة جعلها مركز قوته المنيعة، ولم يبرح معتصما بذلك الغار يشن منه الغارات على الأطراف القريبة منه، وهو بمنجاة من العرب، حتى وسع رقعة إمارته، وما زالت تتسع شيئا فشيئا إلى أن صارت إمارة مذكورة ثم مملكة ثم تغلبت هذه المملكة بعد عدة قرون على جميع إسبانية وأخرجت العرب من كل أوربة، وسنذكر في الجزء التالي جميع ما يتصل بنا علمه من خبر «بيلاي» هذا، وكيفية نشوء إمارته ونمو أعقابه إلى أن استرجعوا جميع وطنهم بعد ثمانية قرون، ولنعد الآن إلى تاريخ «رينو» عن غزوات العرب في فرنسة، ولنمهد لكلامه بما يلي:
واقعة بلاط الشهداء
قبل الدخول في شرح هذه الواقعة وأسبابها وما قيل فيها أرى أن أترجم للقارئ بطلي هذه المعركة عبد الرحمن الغافقي العربي و«شارل مرتيل» الإفرنجي الذي يسميه العرب «قارلة» وأذكر خلاصة خبرهما، فيكون ذلك أعون على فهم الواقعة والحوادث التي أدت إليها ونشأت عنها. «فشارل مرتيل» هو ابن «ببين ديريستال»
175
مولده سنة 689 كان اتهمه أبوه بقتل أخيه الذي كان من غير أمه فاعتقله في كولونية
176
وما زال إلى أن مات أبوه ببين سنة 714 في الاعتقال فثار الأسترازيون أي أهالي القسم الشرقي من المملكة الميروفنجية الإفرنجية بتلك الدولة وجعلوا شارل (أو كارل أو قارله) دوقا عليهم وتغلبوا به على أهالي القسم الغربي من المملكة بعد وقائع متعددة سنة 716 وسنة 717 إلى سنة 719، وعند ذلك اضطر الملك «شيلبريك» الثاني أن يتخذ شارل حاجبا فتسلم زمام الأمور، واستبد بها وصار مع الملك «شيلبرك» الثاني والملك «تيتري» الرابع كما كان المنصور بن أبي عامر في الأندلس مع الخليفة الأموي هشام أو كما كان عز الدولة ابن بويه أو ابن عمه عضد الدولة بن بويه مع الخليفة الطائع العباسي أو كما هو المقيم العام الذي تجعله إحدى الدول الاستعمارية من قبلها في هذا العصر بجانب أحد سلاطين الإسلام ممن ليس له من السلطنة إلا الاسم، هذا ومن ذلك الوقت أخذ شارل يمهد البلدان التي تليه ويدوخ الشعوب التي في جواره فقهر السكون والبافاريين وغيرهم من الألمان وكذلك كان «أود» دوق أكيتانية قد هاجمه فدحره.
ولكن لم يبلغ تلك الشهرة التي بلغها ولم يلقب بشارل مارتل، أي: المطرقة إلا بعد أن ظهر على العرب في واقعة «پواتييه» أو بلاط الشهداء، جاء في «المعلمة التاريخية الإفرنسية لغريغوار وموريس فال»
177
ما يلي: وكان العرب استولوا على إسبانية وسبتيمانية وتهددوا بلاد الغال والنصرانية كلها وهزموا «أود» دوق أكيتانية، فاستصرخ هذا شارل فزحف شارل إلى العرب على رأس جيش الأسترازيين والمقاتلة التي جاءته من وراء الرين، فانتصر على الأمير عبد الرحمن انتصارا عظيما بين «تور» و«پواتييه» سنة 732، ويقال: إنه بعد هذه الوقعة تلقب بمارتيل، وهي لفظة معناها المطرقة، ثم إنه بسط الملك الإفرنجي على البلاد التي يسقيها نهر الصاوون ونهر الرون، ودخل سبتيمانيا، وطرد العرب من نيم ومدن أخرى، لكنه لم يقدر على أربونة التي تم فتحها فيما بعد على يد ابنه ببين القصير. انتهى.