155
وطاف عنبسة في المقاطعات ينظر في مظالم الناس ويوزع بينهم العدل بدون تمييز بين الأديان، ثم إن أهالي «طرسونة» انتقضوا عليه فزحف إليهم ودوخهم ودك حصونهم، واقتص من زعماء الثورة وفرض عليهم غرامة مضاعفة.
ثم أغزى جيوشه بلاد إفرنجة، فدمر وأحرق ونسف زروعا وأسر خلقا كثيرا، وقيل: إنه كان يكره هذا العيث في بلاد العدو، إلا أنه كان يداري جنده ويحذر أن يتهم بفتور الحمية الإسلامية.
156
قال «كوندي»: ثم إنه في ذلك الوقت خرج في سورية نبي كذاب اسمه «زوناريا»
157
كان يزعم أنه المسيح المنتظر عند اليهود، فلما سمع بخبره عرب الأندلس، وكان كثير منهم من أهل الشام، صدقوا مقالته هذه وتركوا الغنائم التي كانوا غنموها والمساكن التي كانوا ارتضوها، وعادوا إلى سورية مجفلين، فضبط عنبسة الأملاك التي تركوها، وحولها لبيت المال، ثم في السنة التالية غزا عنبسة بلاد فرنسة ورافقه النصر في أول الأمر، وما زال يقطع الأودية ويستقري البسائط حتى عبر نهر «الرون» إلى الشرق، ولكنه وقع في إحدى الوقائع مثخنا بجراحات كثيرة، مات على أثرها، وذلك سنة 106 للهجرة، وقبل أن مات استخلف حديرة الفهري، فلم يشغل هذا المنصب إلا مدة يسيرة؛ لأن أمير إفريقية أرسل أميرا على الأندلس يحيى بن سلمة.
158
وكان هذا قائدا مجربا محبا للعدل صارما جدا في إعطاء الحقوق لأصحابها، فهابه المسلمون والمسيحيون معا، وبينما كان يطوف في الولايات الشمالية انتهز أعداؤه الفرصة فطلبوا من أمير إفريقية عزله فأجابهم إلى ما سألوا وأرسل أميرا على الأندلس عثمان بن أبي نسعة
159
وكان عثمان هذا مشهورا بالبسالة والنجدة والبصيرة بالحروب، فتولى الإمارة واضطلع بها، ولكن وجد أصحابه فيه عودا صليبا وقناة لا تلين لغامز ولم يحققوا فيه آمالهم، ولا هو عرف لهم جميل سعيهم في تأميره، بل رأوا منه ما أمض وأرمض، فما زالوا يسعون به كما سعوا بسلفه حتى حملوا الخليفة هشاما على صرفه بحذيفة بن الأحوص
160
فلم يقم هذا إلا قليلا، وعاد أمير إفريقية فولى على الأندلس عثمان بن أبي نسعة نفسه، ولكن ولاه وكيلا لا أصيلا، إلى أن قدم من دمشق بأمر الخليفة الهيثم بن عبيد الكناني
161
وكان الهيثم شاميا ولكنه كان فظا بخيلا جاسيا، فآسف شيوخ العرب والبربر وساءت ملكته فيهم، فاتحدوا عليه فألقى بهم في السجون وأهلك بعضهم.
وكان من جملة المنكوبين زياد بن زيد فرفع الشكوى إلى الخليفة، هو ومن معه، واتهموا الهيثم بأنه يسير في الأندلس سيرة لا مناص من أن تنتهي ببوار الأمة والخطوب المدلهمة، فأرسل الخليفة هشام محمد بن عبد الله، وفوض إليه أمر التحقيق عن الشكاوى الواقعة بحق الهيثم، وأذن له بأنه إذا ثبت لديه كون الهيثم مجرما يعزله ويقتص منه ويتبدل به الأمير الذي يراه الأصلح، فجاء محمد هذا ومضى بالتحقيق اللازم على أحسن وجه، وعند ما ثبت لديه إجرام الهيثم ألقاه في السجن وأطلق الذين كان نكبهم ورد عليهم أموالهم، ويقال: إنه قبل أن نفى الهيثم من الأندلس إلى إفريقية أمر بتطويفه في شوارع قرطبة راكبا على حمار، تشهيرا له ونكالا وفاقا.
وبعد ذلك فوض محمد بن عبد الله بالإمارة الأمير عبد الرحمن الغافقي فاستحسن الجميع تولية عبد الرحمن الغافقي لما كانوا سبروا من نجابته ومن مزاياه العالية، ولم يشذ عن الجمهور إلا عثمان بن أبي نسعة الذي كان يرى نفسه أولى بالإمارة، فتولى عبد الرحمن سنة 728 وفق 110 (هنا فرق بثلاث سنوات عن رواية نفح الطيب). وكان متوفر العناية بإقامة العدل ورفع المظالم وإيتاء الحقوق أصحابها، ولأجل أن يتمكن من تسكين الدهماء وإرضاء الجمهور بقي سنتين يطوف على بلد بلد ويباشر إماطة المظالم وإزاحة العلل بنفسه غير مميز بين المسلم والمسيحي، وعزل كثيرا من القواد والولاة الذين ثبتت مظالمهم للرعية، وكذلك أعاد إلى المسيحيين الكنائس التي كانوا انتزعوها من أيديهم، والتى كان لهم الحق بها وفقا للعهود، كما أنه هدم الكنائس التي كانوا أخذوا الإذن فيها بالرشوة خلافا للعهود.