83
فجمع له ملك الجلالقة واستمد بملك الباشكنس ثم خام عن اللقاء ورجع أدراجه وأتبعه عبد الملك، وكان هشام قد بعث بالجيوش من ناحية أخرى فالتقوا بعبد الملك وأثخنوا في البلاد، واعترضتهم عساكر الفرنج فنالوا منهم بعض الشيء ثم خرجوا سالمين ظافرين. أ.ه.
فمن هنا يظهر أن العرب عادوا فافتتحوا أربونة في زمان الأمير هشام بن عبد الرحمن الداخل، ولكن الرواية عن الفتح التام والاستقرار تضعف بقول المقري في النفح: «ثم بعثه في العساكر إلى أربونة، وجرندة فأثخن فيها» فإذا كان قد تم له فتحها فلا محل لغزوها ثاني مرة والإثخان فيها. وقد جاء ذكر الأمير هشام في المعلمة الإسلامية لهوتسما وباسيت ورفاقهما، ولم يذكروا أنه فتح أربونة، وإنما قالوا: إنه أغزى مرارا الجيوش الإسلامي بلاد النصارى وجنوبي فرنسة، ووصلت جيوشه إلى «أسترقة» و«أوبياده»
84
من المملكة التي أسسها بقايا ملوك المسيحيين في إسبانية، ممن لم يخضعوا للعرب، من أعقاب بلاي
85
وغزا جيرونة
86
وأربونة، ولم يرد في الأنسيكلوبيديا الإسلامية أنه فتح أربونة.
أما المؤرخ الإسبانيولي كوندي فإنه يذكر غزوات الأمير هشام في جليقية بالجيش الذي أرسله تحت قيادة الحاجب عبد الواحد بن مغيث، وغزواته في نواحي البيرانه بالجيش الذي أرسله تحت قيادة عبد الله بن عبد الملك، ويقول: إن عبد الله هذا فتح جيرونة سنة 793 وفق 177، وبعد أن فاز بفتح هذه البلدة زحف صوب الشمال فعبر البيرانه وفتح أربونة وذبح أهلها واكتسح أقطارها، ووصل إلى قرقشونة حيث تجمعت لصده أمراء البلاد قاطبة، وناجزته الحرب بين قرقشونة وأربونة، فظهر المسلمون في هذه المعركة، وانهزم المسيحيون انهزاما غير تام، يدل على ذلك أن عبد الله قفل راجعا إلى الأندلس بعد تلك الطائلة. وقيل: إن سبب قفوله هو خوفه أنه بطول القتال يفقد الغنائم الوافرة التي كان غنمها. وقالوا: إن هشاما جعل هذه الأموال في بناء جامع قرطبة، ثم إن الأمير ولى عبد الله بن عبد الملك سرقسطة، وسرح عبد الكريم بن الحاجب عبد الواحد إلى جليقية فعاث ودمر، ولكنه سقط في كمين دبره له الأذفنش، وهلك فيه أكثر عسكره وقواده ومنهم يوسف قائد الفرسان.
وأما المستشرق رينو في كتابه: «غارات العرب على فرنسة ومن فرنسة على سافواي وبييمونت وسويسرة» فإنه يذكر ما رواه مؤرخو العرب عن هذه الغزاة وما تابعهم فيه لذريق شيمينيس، ويروي قصة أحمال التراب التي حملها أسارى المسيحيين المساكين على ظهورهم وبالعجلات من مسافة مائتي مرحلة، ويقول: إن مؤرخي العرب زعموا سقوط أربونة تلك النوبة في أيديهم، ولكنه يستبعد هذا الأمر بسبب كون المؤرخين المسيحيين لم يذكروا ذلك ولو بمناسبة دخول المسيحيين ثانية إلى أربونة، ثم يقول: إن النويري الذي روى خبر هذه الغزاة ببعض تفصيل لم يصرح بأن جيوش العرب استولت على أربونة في هذه الغزاة واستقرت فيها،
87
وسنذكر بقية هذا البحث فيما يأتي عند الكلام على غزوات بني أمية في فرنسة.
رجع الحديث إلى السمح بن مالك الخولاني وغارات العرب على فرنسة
قال رينو: وبعد أن انتهى السمح من أمر أربونة، وشجن المدن المجاورة لها بالمقاتلة، زحف نحو طلوزة
88
وكانت وقتئذ عاصمة أكيتانية
89
فحشد «أود» دوق أكيتانية كل ما قدر على حشده من الجنود، وخف لصد العرب عن المدينة، بينما كانوا قد أخذوا بمخنقها واستعملوا المنجنيقات وسائر آلات الحصار في قتالها إلى أن أوشك أهلها أن يسلموها، وإذا باود قد أقبل بجيش يسد الفضاء حتى قال مؤرخو العرب: إن العثير المتطاير من زحف أقدامهم كان يغطي عين الشمس من كثرتهم، فتلا السمح لعسكره الآية القرآنية:
إن ينصركم الله فلا غالب لكم
ولما تدانى الجمعان خيل أن الجبال تلاقى بعضها ببعض، وكانت المعركة من أهول ما يتصوره العقل، وكان السمح يظهر في كل مكان وسيفه ينطف دما وهو يشدد عساكره بقوله وبفعله، وكان كالفحل الهائج لا يرد رأسه شيء أو كالأسد الزائر يحمل على العدو فلا يقف أحد في وجهه، فما هو إلا أن أصابته طعنة خر بها صريعا عن جواده، فلما رآه المسلمون مجدلا