ويمر بأربونة جدول اسمه «روبين»
68
مشتق من قناة الجنوب المستمدة من الأود وأربونة من أقدم مدن الأرض، عثروا فيها على آثار الآدميين من العصر الحجري، وعلى قبور مما قبل التاريخ، وفي أواخر القرن الثاني عشر قبل المسيح أغار السلتيون على أربونة واستقروا بها، وكانت لهم علاقات تجارية مع اليونانيين الذين كانوا يترددون إلى سواحل بروفانس والكاتالان.
وقد جعل الجبل المسمى «بالفولسك»
69
مدينة أربونة حاضرة لهم، وجاء الرومانيون سنة 121 قبل المسيح فافتتحوها وصارت في أيامهم مركزا تجاريا عظيما تضارع مرسيلية، وكان الولاة الرومانيون يقيمون بها، وكانت لها امتيازات لعهدهم عريضة، وبلغ عدد أهلها مائة ألف نسمة في ذلك العصر، وسنة 1413 استولى عليها القوط، وتزوج فيها ملكهم أدولف بالأميرة «بلا سيدة غالة»
70
أخت الإمبراطور الروماني، وكانت لزفافه فيها حفلة عظيمة، ثم استولى على أربونة «غوندبود»
71
ملك البرغونديين،
72
لكنه لم يتمتع بها طويلا، وعادت للقوط، وثبت هؤلاء فيها برغم غارات الفرنج عليها.
نقلنا هذه الخلاصة عن «دليل أربونة»
73
ولنذكر ما جاء في هذا الدليل بشأن العرب، قال: في أوائل القرن الثامن للمسيح ظهر العرب على «سبتيمانية» وافتتح «زاما»
74
أربونة سنة 719 بعد حصار استمر ثمانية وعشرين يوما فقتل الرجال وسبي النساء والأطفال، ثم نظر «زاما» إلى أهمية أربونة الجغرافية فحصنها وشحنها بالميرة. وهكذا تمكن العرب فيها من صد غارة شارل مارتل الذي حاصر أربونة سنة 732 بعد أن هزم العرب في معركة بواتيه، ثم إن «ببين» القصير حاصر أربونة سنة 752 ونكص عنها، ولم يتمكن منها سوى شارلمان سنة 759، وذلك بعد أن حاصرها مدة سبع سنوات، فإن الأهالي الذين في البلدة كانوا ملوا هذا الحصار الطويل فثاروا بالحامية العربية وذبحوها، وعاد العرب سنة 792 فحاصروا أربونة، فبعث شارلمان لنجدتها بعثا عدته عشرون ألف مقاتل، عقد لواءه للفارس المشهور غليوم،
75
وتلاقى الجمعان بقرب أربونة، فاستأصل العرب جيش الإفرنج ولم يبق من هؤلاء إلا غليوم وثلاثة عشر من رفاقه، وصلم أنف غليوم في المعركة، ولقب من ذلك اليوم بذي الأنف القصير، إلا أنه أحرز مجد قتل عبد الملك أمير الجيش العربي بيده، فأما أربونة فبرغم انكسار الإفرنج ذلك اليوم لم تسقط في أيدي العرب.
انتهى ما جاء في دليل أربونة، وهذا غير مطابق لما في تواريخ العرب. انظر إلى ما جاء في نفح الطيب في هذا الصدد، قال: «كان هشام (ابن عبد الرحمن الداخل الأموي) يذهب بسيرته مذهب عمر بن عبد العزيز، وكان يبعث بقوم من ثقاته إلى الكور، فيسألون الناس عن سير عماله ويخبرونه بحقائقها، فإذا انتهى إليه حيف من أحدهم أوقع به وأسقطه أو أنصف منه ولم يستعمله بعد، ولما وصفه زياد بن عبد الرحمن لمالك بن أنس قال: نسأل الله تعالى أن يزين موسمنا بمثل هذا.
76
وفي أيامه فتحت أربونة الشهيرة، واشترط على المعاهدين من أهل جليقية
77
من صعاب شروطه انتقال عدد من أحمال التراب من سور أربونة المفتتحة يحملونها إلى باب قصره بقرطبة وبنى منه المسجد الذي قدام باب الجنان، وفضلت منه فضلة بقيت مكومة، وقاسى مع المخالفين له من أهل بيته وغيرهم حروبا، ثم كانت الدائرة له. وقصد إلى بلاد الحرب غازيا، وقصد «ألبة»
78 «والقلاع»، فلقي العدو وظفر بهم وفتح الله عليه سنة خمس وسبعين، وبعث العساكر إلى جليقية مع يوسف بن بخت، فلقي «ابن منده»
79
وهزمه، وأثخن في العدو، وفي سنة ست وسبعين بعث وزيره عبد الملك بن عبد الواحد بن مغيث
80
لغزاة العدو، فبلغ ألبة والقلاع فأثخن في نواحيها، ثم بعثه في العساكر سنة سبع وسبعين إلى أربونة وجرندة
81
فأثخن فيها ووطئ أرض برطانية.
82
وتوغل عبد الملك في بلاد الكفار وهزمهم، ثم بعث العساكر مع عبد الكريم بن عبد الواحد إلى بلاد جليقية، فانتهى إلى «أسترقة»