تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

90

فت في أعضادهم ونكصوا على أعقابهم، وتركوا قتلاهم بالعراء ورجعوا إلى الوراء، وكانت هذه الواقعة في شهر مايو من سنة 721 وطاح فيها عدد من فرسان المسلمين المغاوير الذين شهدوا الفتوحات السابقة. ولقد تولى قيادة الجيش - بعد قتل السمح وتقهقر العرب - عبد الرحمن (الغافقي) وعاد به إلى الأندلس.

91

ولما شاع خبر هذه الواقعة دبت الحماسة في قلوب أهالي اللانغدوق والبيرانه وهبوا لخلع طاعة العرب وحميت أنوفهم، إلا أن هؤلاء كانوا لا يزالون متمكنين في أربونة، وكانت قد جاءتهم نجدات من الأندلس فعادوا يشنون الغارات منها على البلاد المجاورة، وآضت جيوشهم تتقدم من كل مكان وتجر بخزائم الطاعة أنوف السكان، وكان الرهبان والقسيسون في ذلك الوقت هم أصحاب الكلمة العليا، وكانت الكنائس والأديار ملأى بالنفائس والذخائر، فلم يكن من العجب أن تتوجه همة العرب قبل كل شيء إلى اجتياح هذه المعابد وصب البلاء على الرهبان، ولم يكن من العجب أن يكون هذا القسم من تاريخنا ملآن بقصص تدمير العرب للأديار والبيع؛ لأن الذين كانوا يكتبون إذ ذاك إنما كانوا من الرهبان والإكليريكيين، فكان معظم كلامهم الحديث عما حل بأديارهم وتقديمها على ديارهم.

فقد جاء في تواريخ الرهبان الذين شهدوا تلك الوقائع أن العرب هدموا دير «جوسل»

92

بقرب «بيزيه»

93

ودير القديس «بوزيل»

94

بقرب «نيم»

95

ودير «صنجيل»

96

بقرب «آرل»

97

والدير المشهور بالثروة المسمى بدير «الترتيل»

98

بقرب «آغيمورت».

99

وكان يسمى كذلك لأن الرهبان كانوا ألزموا أنفسهم فيه النشيد الدائم بتسبيح الرب، وذلك على أنه كلما تعبت طائفة خلفتها طائفة في الترتيل فلا ينقطع الترتيل من الدير لا ليلا ولا نهارا. فدهم العرب هذه الأديار كلها بغتة، منحدرين عليها انحدار العقبان، بحيث لم يقدر الرهابين الذين فيها إلا أن يخلصوا، نجيا برقابهم وببعض ذخائر القديسين التي كانت عندهم،

100

وكان العرب أول ما يعمدون إلى الأجراس والنواقيس فيكسرونها

101

وكانت بعض عصائب من أهالي البلاد تقاتل العرب في الأحايين، وكان هؤلاء لا يسيئون معاملة الذين يدخلون في طاعتهم بدون مقاومة ويكفونهم القتال.

ثم إنه في سنة 724 تولى إمارة الأندلس عنبسة (ابن سحيم الكلبي)

102

واجتاز جبال البيرانه بجيش جرار، وأوغل في البلاد، وفتح قرقشونة وأوقع بمن وجد فيها، ثم فتح نيم وأخذ من أهلها رهائن أرسلهم إلى برشلونة

103

وقد كانت فتوحات عنبسة بحسب رأي أيزيدور الباجي فتوحات حذق ومهارة أكثر منها فتوحات بطش وقوة، ولذلك تضاعف في أيام عنبسة خراج بلاد الغال. وقيل: إن عنبسة نفسه قد زاد الخراج على الأهالي، ولا يظهر أن ذلك صحيح، وإنما ازداد الخراج بتوفيره وبحسن تدبيره، ثم إن عنبسة وقع قتيلا في إحدى الوقائع سنة 725 فخلفه في القيادة «حديرة» وجاءت إلى هذا نجدات من الأندلس، وعادت ريح الإسلام فعصفت ببلاد النصرانية من كل جهة، بحسب تعبير أحد مؤرخي العرب، فالسبتيمانية إلى حدود الرون و«الألبيجوا»

104

و«الرورغ»

105

و«الثبيلاي»

106

و«التبيلاي»

107

صارت ميدانا لغارات العرب، وشملها الخراب من كل جهة، وما لم يؤخذ بالحديد سلطوا عليه النار إلى حد أن كثيرين من الغزاة أنفسهم أكبروا هذا العبث الزائد في تلك البلاد، فإنهم لم يكونوا يعفون عن شيء سوى الجواهر النفيسة والسلاح والخيل وكل ما يزدادون به قوة على قوة.

وأكثر ما شمل الخراب مقاطعة «روديس»

108

فقد احتل العرب فيها حصنا يظنه بعضهم حصن «رو كبريف»

109

والآخرون حصن «بالاغيه»

110

وأخذوا يحتاجون جواره ولا يلقون مناهضا ولا عرقا نابضا، وقد بقيت عندنا عن تلك النوازل شهادة رجل كان يقال له: «دادون»

111

عندما زحف العرب خرج بسلاحه ومعه جماعة مسلحون من أهل وطنه، فجاء العرب إلى بيته ولم يجدوا فيه سوى أمه فأخذوها من جملة السبي، وعادوا إلى الحصن الذي كانوا تبوأوه، فجاء دادون بسلاحه ومعه رفاقه، ووقفوا أمام باب الحصن، وطلب دادون تسليم أمه، وقال: إنه ليس ببارح حتى ينقذها فأجابه واحد من العرب: إن شئت أن نرد عليك أمك فادفع إلينا الجواد الذي أنت راكبه وإلا فإننا نذبح أمك أمام عينيك. فأجاب دادون وقد كاد الغضب يخرجه من عقله: افعلوا بأمي ما تريدون فلا أسلم جوادي. عند ذلك جاء البربري بأم دادون وقطع رأسها وألقاه من فوق الحصن إلى ما بين يدي ذلك المسكين، فعندما شاهد دادون رأس والدته كادت نفسه تزهق من الألم وأخذ ينتحب ويصيح: يا للأخذ بالثأر. ولكنه لم يكن يقدر أن يدخل إلى الحصن، فذهب وقد خولط في عقله وانقطع عن الناس، وأقام على ضفاف وادي «دوردون»

تاريخ غزوات العرب في فرنسا وسويسرا وإيطاليا وجزائر البحر المتوسط · الصفحة ٢٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تاريخ غزوات العرب في فرنسا وسويسرا وإيطاليا وجزائر البحر المتوسطص ٢٣