وأما ابن خلدون فيذكر أن ولاية عنبسة بن سحيم كانت من قبل يزيد بن أبي مسلم عامل إفريقية، لا بشر بن صفوان، وأن بشر بن صفوان كان واليا على إفريقية وقت مقتل عنبسة، ولما بلغه الخبر أرسل مكانه واليا على الأندلس يحيى بن مسلمة الكلبي. ويقول ابن خلدون: إن استشهاد عنبسة كان في أرض الفرنجة سنة 107.
وبين ابن خلدون وصاحب «أخبار مجموعة» اختلاف في الأسماء، لعله من تصحيف النساخ، ففي نفح الطيب نقلا عن ابن خلدون يذكر «الهيثم بن عبيد الكلابي» - وهكذا في صبح الأعشى - وفي «أخبار مجموعة» الهيثم بن عفير الكناني، ثم إن صاحب «أخبار مجموعة» يذكر بعد الهيثم ولاية عبد الرحمن الغافقي بلا فاصل، على حين أن ابن خلدون يذكر بعد الهيثم محمد بن عبد الله الأشجعي، ولعل صاحب أخبار مجموعة أهمله لقصر مدته لأنه لم يلبث إلا شهرين.
وأما ابن عذارى فيذكر في «المغرب» أن بشر بن صفوان تولى إفريقية مرتين، وفي الثانية منهما ولى على الأندلس عنبسة بن سحيم. ثم يقول: إنه سنة 107 ولى على الأندلس يحيى بن سلمة الكلبي. ومن هنا يعرف أن مقتل عنبسة بن سحيم بأرض إفرنجة غازيا كان سنة 107، وهذه هي رواية ابن عميرة وابن خلدون أيضا. والمستشرق رينو
67
يقول: إنه قتل سنة 725 مسيحية، والمؤرخ كوندي الإسبانيولي يجعل قتله سنة 106 هجرية الموافقة 724 مسيحية.
ولنرجع إلى تاريخ رينو عن غارات العرب على فرنسة فهو يقول: إن السمح بن مالك الخولاني الذي تولى الأندلس في خلافة عمر بن العزيز بعد أن سكن الدهماء وأصلح الأمور في الداخل، أعمل همته في الجهاد ليستأنف المسلمون الحرارة الأولى، وليجدد عزائمهم بعد الالتياث، ويعقد صرائمهم بعد الانتكاث قال: وكان ذلك سنة 721 مسيحية في خلافة يزيد بن عبد الملك، وكان مضى على فتح العرب للأندلس إحدى عشرة سنة لا غير، فأجاز السمح إلى بلاد فرنسة، تفيض بجيوشه أقطارها، وزعم مؤرخو الإفرنجة المعاصرون أن العرب جاءوا ومعهم نساؤهم وأولادهم؛ لأنهم كانوا على نية الاستقرار في البلاد. قالوا: وكان الفقراء والمحاويج يأتون من جزيرة العرب والشام ومصر وإفريقية ومعهم عائلاتهم لأجل سد مفاقرهم بالفتوحات وارتياد الرزق من وراء الغارات.
قال رينو: ولم يزل السمح يتقدم بجيشه إلى أن صار أمام أربونة فحصرها ولم يلبث أن فتحها وقتل رجالها وسبى نساءها وذراريها، وكانت أربونة بمصاقبتها للبحر وسهولة الوصول إليها بالسفن من إسبانية ثم بمنعتها الطبيعية من جهة البر تصلح أن تكون مسلحة للعرب في أرض إفرنجة، فزاد السمح في تحكيم حصونها ووضع الحاميات في المدن المجاورة لها.
الكلام على مدينة أربونة
Narbonne
كانت زيارتي لأربونة بعد أن قفلت من الأندلس، لا كما كانت زيارتي لطلوزة وقرقشونة، أي قبل أن دخلت إليها. وأربونة هي كما لا يخفى المدينة التي توجهت إليها همة العرب أكثر من الجميع من أرض فرنسة، وذلك لكونها على كثب من البحر ولسهولة التوصل إليها من الأندلس على الماء، وكونها لذلك العهد أهم حاضرة إفرنسية في جوار إسبانية، فكان العرب إذا أفاضوا من جبال البيرانه ناحرين الشمال يجدون أربونة هي المدينة الأولى التي تستقبلهم.
وموقع أربونة هو على ارتفاع 10 أمتار فقط عن سطح البحر الملح، وعلى مسافة 14 كيلو مترا منه إلى الشرق، ونهر الأود يمر بالقرب منها، والسهول التي بينها وبين البحر هي متكونة من الرواسب التي أبقاها هذا النهر بجريه من آلاف وآلاف من السنين.
وهي الآن مدينة من الدرجة الثالثة، لا يزيد عدد أهلها على 30 ألفا، ومناخها شبيه بمناخ المدن العربية، أي: إنها لطيفة الشتاء نادرة الثلج، حارة القيظ لولا نسمات لطاف تهب عليها أحيانا من جهة البحر فتخفف من حرارتها، وفي مدة تزيد على نصف السنة تعصف الرياح في أربونة من الشمال الغربي، وتسفي التراب وتكدر صفو المزاج، ولكنها تفيد في تنشيف ما حول أربونة من المستنقعات، وأكثر حاصلات أربونة من الكرم، وفيها جميع أشجار البلاد الحارة، وقد شاهدت فيها التين والزيتون والصبير.