52
رجع الحديث إلى حرب القيسية واليمانية
ذكر صاحب «أخبار مجموعة» أن ابن حريث
53
وأبا الخطار زحفا إلى يوسف والصميل
54
بقرطبة، فأقبلا حتى نزلا على نهر قرطبة بقبليها بقرية «شقندة»
55
وعبر يوسف والصميل النهر إليهما بمن معهما، فالتقوا حين صلوا الصبح فتطاعنوا على الخيل حتى تقصفت الرماح وثبتت الخيل وحميت الشمس، ثم تداعوا إلى البراز فتنازلوا وتضاربوا بالسيوف حتى تقطعت، ثم تقابضوا بالأيدي والشعور ولم يكن في الإسلام صبر مثله إلا ما يذكر من صفين.
56
ولم يكن القوم بالكثير لا هؤلاء ولا هؤلاء وإنما كانوا خيار الفريقين، وكانوا متقاربين، إلا أن اليمن كانوا أكثر قليلا، فلما أعنى بعضهم بعضا تواقفوا يضرب بعضهم وجوه بعض بالقسي والجعاب، ويحثي بعضهم التراب على بعض؛ إذ قال الصميل ليوسف: ما وفقنا إذ خلفنا جندا نحن منهم في غفلة. قال: ومن هم؟ قال: أهل السوق بقرطبة. فرد إليهم يوسف مولاه خالد بن يزيد وصاحب سوقه، فأخرجا منهم نحوا من أربعمائة راجل معهم الخشب والعصي، ومع قليل منهم السيف والمزراق، فخرج الجزارون بسكاكينهم فجاءوا إلى قوم موتى، وقد مضت الظهر والعصر لم يصلوهما لا صلاة خوف ولا أمن، فجردوهم وقتلوا وأسروا بشرا كثيرا خيارا، وأسروا أبا الخطار وابن حريث وكانا الأميرين، وكان ابن حريث لما رأى أهل سوق قرطبة يقتلون أصحابه تغيب ودخل تحت سرير الرحى التي بموضع بيع الخشب، فلما أسروا أبا الخطار وهموا بقتله قال: ليس علي فوت ولكن عندكم ابن السوداء ابن حريث، فدل عليه فأخرج وقتلا جميعا، وكان ابن حريث يقول: لو أن دماء أهل الشام جمعت لي في قدح لشربتها، فلما استخرج قال له أبو الخطار : يا ابن السوداء هل بقي في قدحك شيء لم تشربه؟ فقتلا، وأسر منهم بشر كثير. ثم أتي بالأسرى، وقعد الصميل في كنيسة كانت في داخل مدينة قرطبة، وهي اليوم موضع مسجدها الجامع، فضرب أوساط سبعين منهم. فلما رأى ذلك أبو عطاء بن حمد المري قام إليه فقال له: أبا جوشن أغمد سيفك أو ارجع سيفك. قال له: اقعد أبا عطاء فهذا عزك وعز قومك. فجلس ولم يغمد السيف، ثم قام إليه فقال له: يا عرابي، والله إن تقتلنا إلا بعداوة صفين لتكفن أو لأدعون بدعوة شامية، فأغمد سيفه وأمن الناس على يدي أبي عطاء بعد بلاء عظيم، فيقال والله أعلم: إن تلك الوقيعة توجد في بعض العلم أنها قاطعة الأرحام.
57
وكانت قبل سنة إحدى وثلاثين ومئة، قال: فأعقبهم الله بالجوع والقحط، فجاعت الأندلس سنة اثنتين وثلاثين ثم سنة ثلاث، فثار أهل جليقية على المسلمين وغلظ أمر علج يقال له بلاي، قد ذكرناه في أول كتابنا، فخرج من الصخرة
58
وغلب على كورة «واستورس»
59
ثم غزاه المسلمون من جليقية وغزاه أهل «استورقة»
60
زمانا طويلا حتى كانت فتنة أبي الخطار وثوابة.
61
فلما كان في سنة ثلاث وثلاثين هزمهم وأخرجهم عن جليقية كلها، وتنصر كل مذبذب في دينه وضعف عن الخروج، وقتل من قتل وصار فلهم إلى خلف الجبل إلى «أستورقة» حتى استحكم الجوع فأخرجوا أيضا المسلمين عن أستورقة وغيرها، وانضم الناس إلى ما وراء الدرب الآخر وإلى «قورية»
62
و«ماردة»
63
في سنة ست وثلاثين، واشتد الجوع فخرج أهل الأندلس إلى طنجة وأصيلا وريف البربر ممتارين ومرتحلين، وكانت إجازتهم من واد بكورة «شذونة»
64
يقال له: وادي «برباط»
65
فتلك السنون تسمى سني برباط فخف سكان الأندلس، وكاد أن يغلب عليهم العدو إلا أن الجوع شملهم. أ.ه.
هذا ما اخترنا تلخيصه وتمحيصه من أخبار الأمراء الذين تعاقبوا على الأندلس والذين كانوا يغزون إفرنجة أو فرنسة، ولنضف إليهم ما ذكره ابن عميرة صاحب «بغية الملتمس في تاريخ رجال أهل الأندلس»
66
فهو يذكر الحر بن عبد الرحمن القيسي ويقول: إنه عزل بعنبسة بن سحيم الكلبي. ويقول: إن عنبسة تولى الأندلس سنة 106 من قبل بشر بن صفوان أمير إفريقية في أيام هشام بن عبد الملك ومات سنة 107 وقيل 109.