38
وغاليسية
39
ونابار.
40
وهناك بدأوا بمقاومة لم تضع عصاها إلا بإجلاء المسلمين أجمع عن تلك البلاد.
وكان الخليفة الجديد عمر بن عبد العزيز اطلع على ما دب من الخلل إلى موقف العرب بالأندلس، فأنفذ إليها السمح بن مالك الخولاني أميرا، وعهد إليه بإصلاح الأمور ورم الثغور، وكان السمح مدبرا حكيما وقائدا باسلا وسائسا حازما، ذا دربة بتمشية الأمور، فرتق الفتوق، ووازن بين الدخل والخرج، وأنصف الجند في الأعطيات، ووزع على المجاهدين جانبا من الأراضى، وعهد بما بقي منها إلى وكلاء من ذوي الأمانة ورد ريعها إلى بيت المال، وكان الخليفة قد أمر السمح بأن يقدم له بيانا عن البلدان المفتوحة وما فيها من النفوس والجبايات، ليبرم في أمر الأندلس رأيا، فقد كان عمر بن عبد العزيز شديد الخوف على الإسلام، وكان قد هاله بقاء ذلك العدد الكبير من المسيحيين في تلك البلاد، واستشعر من ورائهم خطرا على مستقبل المسلمين، ففكر في إجلاء مسيحيي إسبانية وجنوبي فرنسة إلى إفريقية حيث لا يكون من وجودهم تهلكة على الدولة، إلا أن السمح طمأن مخاوف الخليفة قائلا له: إن الإسلام ينمو وينتشر وتمتد شماريخه بسرعة في إسبانية، وأنه لا يبعد اليوم الذي تصير فيه تلك البلاد بأجمعها تابعة لدين محمد. روى ذلك بعض مؤرخي العرب وأسفوا من كون السمح بن مالك الخولاني لم يعمل برأي الخليفة في هذا الموضوع.
41
انتهى.
ولنقابل الآن كلام رينو وكلام من نقل عنهم من مؤرخي الإسبانيول والإفرنج بكلام العرب لتزداد الحقائق وضوحا فنقول: نقل المقري في النفح عن ابن حيان ما يلي:
قالوا: إن موسى اصطلح مع طارق وأظهر الرضى عنه وأقره على مقدمته على رسمه، وأمره بالتقدم أمامه في أصحابه وسار موسى خلفه في جيوشه فارتقى إلى الثغر الأعلى، وافتتح سرقسطة وأعمالها، وأوغل في البلاد، وطارق أمامه، لا يمران بموضع إلا فتح عليهما وغنمهما الله تعالى ما فيه، وقد ألقى الله الرعب في قلوب الكفرة لم يعارضهما أحد إلا بطلب صلح، وموسى يجيء على أثر طارق في ذلك كله ويكمل ابتداءه، ويوثق للناس ما عاهدوه عليه، فلما صفا القطر كله وطمأن نفوس من أقام على سلمه، ووطأ لأقدام المسلمين في الحلول به أقام لتمييز ذلك وقتا، وأمضى المسلمين إلى إفرنجة ففتحوا وغنموا وسلموا وعلوا وأوغلوا حتى انتهوا إلى وادي «ردونة»
42
فكان أقصى أثر العرب ومنتهى موطئهم من أرض العجم، وقد دوخت بعوث طارق وسراياه بلد إفرنجة، فملكت مدينتي برشلونة
43
وأربونة
44
وصخرة «أبينيون»
45
وحصن «لودون»
46
على وادي ردونة، فبعدوا عن الساحل الذي منه دخلوا جدا، وذكر أن مسافة ما بين قرطبة وأربونة من بلاد إفرنجة ثلاثمائة فرسخ وخمسة وثلاثون فرسخا، وقيل: ثلاثمائة فرسخ وخمسون فرسخا. ولما أوغل المسلمون إلى أربونة ارتاع لهم قارله ملك الإفرنجة بالأرض الكبيرة وانزعج لانبساطهم، فحشد لهم وخرج عليهم في جمع عظيم، فلما انتهى إلى حصن لودون، وعلمت العرب بكثرة جموعه زالت عن وجهه، وأقبل حتى انتهى إلى صخرة أبينيون فلم يجد بها أحدا، وقد عسكر المسلمون قدامه فيما بين الأجبل المجاورة لمدينة أربونة، وهم بحال غرة لا عيون لهم ولا طلائع، فما شعروا حتى أحاط بهم عدو الله قارله، فاقتطعهم عن اللجا إلى مدينة أربونة، وواضعهم الحرب فقاتلوا قتالا شديدا استشهد فيه جماعة منهم، وحمل جمهورهم على صفوفه حتى اخترقوها ودخلوا المدينة ولاذوا بحصانتها، فنازلهم بها أياما أصيب له فيها رجال، وتعذر عليه المقام وخامره ذعر وخوف مدد للمسلمين، فزال عنهم راحلا إلى بلده، وقد نصب في وجوه المسلمين حصونا على وادي ردونة شكها بالرجال فصيرها ثغرا بين بلده والمسلمين، وذلك بالأرض الكبيرة خلف الأندلس. انتهى.
إن كلام ابن حيان هذا يجمل خبر غزوات العرب لإفرنجة أو فرنسة من أيام موسى بن نصير وطارق بن زياد إلى زمان عبد الرحمن الغافقي، ومنه يعرف أن غزو العرب لإفرنجة يرجع إلى أول الفتح الأندلسي، وإن كان مؤرخو الإفرنج لا يذكرون مغازي العرب لفرنسة إلا من بعد ولاية السمح بن مالك الخولاني، وأما المؤرخان المسيحيان أيزيدور الباجي وشيمينش مطران طليطلة، وأولهما عاصر زمان الفتح، فإنهما يذكران غارات للعرب على فرنسة في زمان الحر بن عبد الرحمن بن عثمان الثقفي أمير الأندلس بعد عبد العزيز بن موسى بن نصير الذي ثأر به الجند، وقتلوه حسبما تقدم الكلام عليه.