28
أول ملك للإسبانيول بعد دخول العرب للأندلس أ.ه.
وذكر صاحب «أخبار مجموعة في فتح الأندلس وأخبار أمرائها والحروب الواقعة بينهم» أن عبيد الله بن الحبحاب بن الحارث، مولى بني سلول من قيس، عندما ولاه الخليفة مصر أقر بشر بن صفوان على إفريقية وولى عقبة بن الحجاج السلولي الأندلس فدخلها سنة 110 وافتتح الأرض حتى بلغ أربونة.
ثم ذكر أنه لما وقعت الواقعة بين العسكر الشامي وعبد الملك بن قطن أمير الأندلس في خبر سيأتي ذكره في الجزء الآتي، وقتل الشاميون عبد الملك وصلبوه في قرطبة، كان ابناه في نواحي أربونة. قال صاحب «أخبار مجموعة»: فلما بلغ ابنيه ما كان حشدا من أقصى أربونة وراجعا أهل البلد والبربر، وسيوفهم تقطر من دماء البربر، فرضيت البربر أن تنال ثأرها من أهل الشام
29
فإذا فرغوا كان لهم في أهل البلد رأي، فأقبل قطن وأمية ومعهما عبد الرحمن بن حبيب، وأقبل معهم عبد الرحمن بن علقمة اللخمي صاحب أربونة، فأقبلوا في مائة ألف أو يزيدون أ.ه.
ومن هنا يعلم القارئ ما كان من بال العرب بأربونة منذ خيم الإسلام بعقرتها، وما كان من وفرة جيوشهم فيها لأجل الرباط وسداد الثغور.
رجع إلى حديث استيلاء العرب على جنوبي فرنسة
نعود إلى كلام المستشرق «رينو» في موضوع غارات العرب على جنوبي فرنسة، فهو يذكر أن فتن العرب المستمرة المصطلمة، بعضهم مع بعض، قد نفست من خناق المسيحيين في الأندلس وإفرنجة، ويقول: إن معظم اهتمام الخلفاء كان وقتئذ توجه إلى الاستيلاء على القسطنطينية التي كانوا أغزوها جيشا عدته مائة وعشرون ألف مقاتل، وأسطولا عدده ألف وثمانمائة سفينة، ولا شك أن سموهم إلى فتح شرقي أوربة شغلهم عن الزحف على غربي أوربة، ولكنه يقول: إن مؤرخي العرب ذكروا مع ذلك بعض غارات على «اللانغدوق» في أيام ولاية الحر الثقفي سنة 718 مسيحية.
وقد أيد هذه الرواية «أيزيدور» أسقف «باجة»
30
وهو من المؤرخين الذين عاشوا في ذلك العصر، و«لذريق شيمنيس» مطران طليطلة
31
وقالوا: إن العرب زحفوا إلى الأمام حتى وصلوا إلى مدينة «نيم»، ولم يجدوا مقاوما ورجعوا بالغنائم والسبي الكثير.
قال رينو: ولم تكن مقاطعات جنوبي فرنسة لتقدر أن تقف في وجه العرب المندفقين عليها من جبال البيرانه، وكان الحكم للدولة المعروفة بدولة «الكسالى»
32
إذ ذاك، وكانت بلاد اللانغدوق يقال لها: «القوطية»
Gotie
بسبب طول مقام القوط بها، وقد يقال لها أيضا: «سبيتمانية» أي «السبعية» لاشتمالها على المدن السبع: أربونة، ونيم، واقد، وبيزيه، ولوديف، وقرقشونة، وماقلونة.
33
وكانت من جملة مملكة «أود» دوق اكيتانيه
34
وكان هذا يدعي أنه من ذرية الملك كلوفيس
35
وبهذا السبب كان من أبناء عم ملوك فرنسة الشمالية فكان يكره بطبيعة الحال حجاب القصر، الذين قد استولوا على الأمور واستبدوا بها من دون الملوك، ولم يبق لهم هم إلا في توطيد سلطتهم وسلطة جنس الفرنج
36
في تلك المملكة مما ثني أعنتهم عن صد العرب الموجفين على جنوبي فرنسة.
فصارت بلاد اللانغدوق والبروفانس متروكة لأهلها الغاليين
37
وكان هؤلاء شعبا مركبا من أعقاب الرومانيين القدماء ومن القوط، وكانت لكل من الفريقين عادات خاصة وشرائع يمتاز بها، فلم يكن من واق لجنوبي فرنسة في ذلك الوقت أحسن من وقوع بأس العرب فيما بينهم، وذلك أن حكومة إسبانية العربية كان مرجعها القيروان في إفريقية، وحكومة إفريقية كانت عائدة إلى دمشق دار الخلافة، فلم يكن من الممكن أن تكون سلطة موزعة إلى هذا الحد، وأن تتعدد مراكزها كل هذا التعدد وأن يستتب بها النظام، وأن تقيم على الطاعة رجالات نشأوا في ظلال السيوف، ثم إن النزاع كان وقع بين العرب والبربر، وبين المسلمين وغير المسلمين من الجيوش الفاتحة، ولما كانت أراضي المسيحيين التي دخلت في حوزة الفاتحين قد صارت إلى أيدي عدد من ذوي الأطماع، وحرم كثير من المستحقين الفيء الذي يستحقونه، أدى ذلك النزاع أخيرا إلى القتال، وسالت الدماء ومشت الصفوف بعضها إلى بعض، وهناك سبب آخر كان به أعظم الفرج لفرنسة، نفس من خناقها وأرخى من رباقها وهو انتفاض عصابة من مسيحيي إسبانية فيهم شماس، وصعوبة مراس ثاروا بالعرب ثورة الضواري، وأبوا إلا الدفاع عن دينهم ووطنهم، فلجأوا إلى جبال آستورية