وقد استشهد رينو هنا بكلام المقري فوجب أن ننقل قول المقري في هذا الصدد جاء في الصفحة 129 من الجزء الأول من نفح الطيب ما يأتي ببعض اختصار: كانت نفس موسى بن نصير تنزعج إلى جليقية (وهي ما يسميه الإفرنج
Galicie
غاليسيا وقاعدتها مدينة كان العرب يسمونها شانت ياقو
Santiago
ويقول لها الإفرنج
Saint-Jacques De Compostelle ) فبينما هو يعمل في ذلك ويعد له إذ أتاه مغيث الرومي رسول الوليد بن عبد الملك يأمره بالخروج عن الأندلس والإضراب عن الوغول فيها، فساءه ذلك وقطع به عن إرادته؛ إذ لم يكن في الأندلس بلد لم تدخله العرب إلى وقت ذلك غير جليقية، فكان شديد الحرص على اقتحامها، فلاطف موسى مغيثا رسول الخليفة وسأله أنظاره إلى أن ينفذ عزمه في الدخول إليها ويكون شريكه في الأجر والغنيمة، ففعل ومشى معه حتى بلغ المفازة فافتتح حصن بارو وحصن لك (هو في الإفرنجية
Luque ) فأقام هناك وبث السرايا حتى بلوغ صخرة بلاي على البحر الأخضر، وطاعت الأعاجم فلاذوا بالسلم وبذل الجزية، وسكنت العرب المفاوز، وكان العرب والبربر كلما مر قوم منهم بموضع استحسنوه حطوا به ونزلوه قاطنين، فاتسع نطاق الإسلام بأرض الأندلس، وبينما موسى كذلك في اشتداد الظهور وقوة الأمل إذ قدم عليه رسول آخر من الخليفة يكنى: أبا نصر أردف به الوليد مغيثا لما استبطأ موسى في القفول، وكتب إليه يوبخه وألزم رسوله إزعاجه، فانقلع حينئذ من مدينة «لك» بجليقية وخرج على الفج المعروف بفج موسى، ووافاه طارق في الطريق منصرفا من الثغر الأعلى، فأقفله مع نفسه ومضيا جميعا، وقف معهما الرسولان مغيث وأبو نصر حتى احتلوا أشبيلية، فاستخلف موسى ابنه عبد العزيز على إمارة الأندلس وأقره بمدينة أشبيلية لاتصالها بالبحر، وركب موسى البحر إلى المشرق بذي الحجة سنة خمس وتسعين وطارق معه، وكان مقام طارق قبل دخول موسى سنة، وبعد دخوله سنتين وأربعة أشهر، وحمل موسى الغنائم والسبي وهو ثلاثون ألف رأس والمائدة (سيأتي ذكر ذلك كله في محله من الجزء الآتي) منوها بها ومعها من الجواهر ما لا يقدر قدره، وهو مع ذلك متلهف على الجهاد الذي فاته آسف على ما لحقه من الإزعاج، وكان يؤمل بأن يخترق ما بقي عليه من بلاد إفرنجة ويقتحم الأرض الكبيرة حتى يتصل بالناس في الشام، متخذا مخترقه بتلك الأرض طريقا مهيعا يسلكه أهل الأندلس في مسيرهم ومجيئهم من المشرق وإليه على البر لا يركبون بحرا، وقيل: إنه أوغل في أرض الفرنجة حتى انتهى إلى مفازة كبيرة وأرض سهلة ذات آثار فأصاب فيها صنما عظيما قائما كالسارية مكتوبا فيه بالنقر كتابة عربية قرئت فإذا هي: «يا بني إسماعيل انتهيتم فارجعوا» فهاله ذلك، وقال: ما كتب هذا إلا لمعنى كبير، فشاور أصحابه في الإعراض عنه وجوازه إلى ما وراءه فاختلفوا عليه، فأخذ برأي جمهورهم وانصرف بالناس وقد أشرفوا على قطع البلاد وتقصي الغاية أ.ه.
وجاء في نفح الطيب بعد ذلك بصفحتين ما يأتي: وذكر بعض المؤرخين أنهم وجدوا في الحجر بعدما تقدم من الكتابة التي هي: ارجعوا يا بني إسماعيل ... إلخ ما معناه: (وإن سألتم لم ترجعون فاعلموا أنكم ترجعون ليضرب بعضكم رقاب بعض).
19
أ.ه.
وقال ابن خلدون عن دخول موسى بن نصير إلى الأندلس ما يلي:
نهض من القيروان سنة ثلاث وتسعين في عسكر ضخم من وجوه العرب والموالي وعرفاء البربر، فوافوا خليج الزقاق ما بين طنجة والجزيرة الخضراء، فأجاز إلى الأندلس، وتلقاه طارق فانقاد واتبع. ويقال: إن موسى لما سار إلى الأندلس عبر البحر من ناحية الجبل المنسوب إليه المعروف اليوم بجبل موسى، وتنكب النزول على جبل طارق وتمم الفتح وتوغل في الأندلس إلى برشلونة في جهة المشرق، وأربونة في الجوف، وصنم قادس في الغرب، ودوخ أقطارها وجمع غنائمها، وأجمع أن يأتي المشرق من ناحية القسطنطينية، ويتجاوز إلى الشام دروب الأندلس ودروبه، ويخوض إليه ما بينهما من بلاد أعاجم أمم النصرانية مجاهدا فيهم ومستلحما لهم إلى أن يلحق بدار الخلافة من دمشق، ونمى الخبر إلى الخليفة الوليد فاشتد قلقه بمكان المسلمين من دار الحرب، ورأى أن ما هم به موسى تغرير بالمسلمين، فبعث إليه بالتوبيخ والانصراف وأسر إلى سفيره أن يرجع بالمسلمين إن لم يرجع هو، وكتب له بذلك عهده، ففت ذلك في عزم موسى وقفل عن الأندلس بعد أن أنزل الرابطة والحامية في ثغورها، واستعمل ابنه عبد العزيز لسدها وجهاد عدوها وأنزله بقرطبة فاتخذها دار إمارة، واحتل موسى بالقيروان سنة خمس وتسعين، وارتحل إلى المشرق سنة ست بعدها، بما كان معه من الغنائم والذخائر والأموال على العجل والظهر. يقال: إن من جملتها ثلاثين ألف رأس من السبي. وولى على إفريقية ابنه عبد الله، واندرجت ولاية الأندلس يومئذ في ولاية المغرب، فكان صاحب القيروان ناظرا في الجميع، وقدم موسى على سليمان بن عبد الملك وقد ولي الخلافة بعد الوليد فسخطه ونكبه. وثارت عساكر الأندلس بابنه عبد العزيز فقتلوه لسنتين من ولايته بإغراء الخليفة سليمان، وكان خيرا فاضلا وافتتح في ولايته مدنا كثيرة، وكان الذي تولى قتله حبيب بن أبي عبيدة الفهري، وكان سبب غضب سليمان على موسى أنه لما توجه إلى المشرق وانتهى إلى مصر وصل أشرافها وفقهاءها وبلغه الخبر بمرض الوليد، ووافاه كتابه يستحثه على القدوم، ووافاه كتاب آخر من سليمان يثبطه، فأسرع موسى باللحاق بالوليد فقدم عليه قبل وفاته بثلاثة أيام ودفع إليه ما معه من الذخائر والأموال، فغاظ ذلك سليمان، وأساء مكافأته حين أفضى الأمر إليه فنكبه ونكب آل بيته أجمع، وكانت وفاة موسى رحمه الله بالمدينة المنورة سنة ثمان وتسعين، وقيل غير ذلك. أ.ه.