تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لو تسألون «ألنبي» يوم جندلها

بأي سيف على يافوخها ضربا

يا فاتح القدس خل السيف ناحية

ليس الصليب حديدا كان بل خشبا

إذا نظرت إلى أين انتهت يده

وكيف جاوز في سلطانه القطبا

علمت أن وراء الضعف مقدرة

وأن للحق لا للقوة الغلبا

أي إن الصليب كان خشبا لا حديدا، وكان أصحابه أضعف خلق الله، ومع هذا فقد انتهى أمرهم إلى ما انتهى إليه من القوة، فلا ينبغي أن يعتمد القوي على قوته، ويسرف في الاعتماد عليها، وكم من الله على الذين استضعفوا في الأرض وجعلهم أئمة.

وهذه الأبيات الثلاثة الأخيرة هي من الأبيات الخالدة التي يحفظها مئات الألوف من الناطقين بالضاد، ولا يبرحون يطرزون المجالس بها، ولو ترجمت إلى لغة أجنبية لما خسرت شيئا من طلاوتها ولا من قوة معناها، كما هو الشأن فيما يحول من لغة إلى لغة. (15) قصيدة شوقي عن تأجيل حفلة التتويج لملك إنكلترة

ولشوقي قصيدة في تأجيل حفلة التتويج لملك إنجلترة إدوارد السابع، وقالوا إنها تأجلت لإصابة الملك بدمل، ومطلع هذه القصيدة هو هذا:

لمن ذلك الملك الذي عز جانبه

لقد وعظ الأملاك والناس صاحبه

ومنها:

أيبطل عيد الدهر من أجل دمل

وتخبو مجاليه وتطوى مواكبه

ويرجع بالقلب الكسير وفوده

وفيهم مصابيح الورى وكواكبه

وتسمو يد الدهر ارتجالا ببأسها

إلى طنب الأقواس والنصر ضاربه

ويستغفر الشعب الفخور لربه

ويجمع من ذيل المخيلة ساحبه

ما أحسن قوله يجمع من ذيل المخيلة ساحبه؛ أي يقصر من ذيل الخيلاء الذي كان يجرره.

ألا هكذا الدنيا وذلك ودها

فهلا تأنى في الأماني خاطبه

أعد لها إدوارد أعياد تاجه

وما في حساب الله ما هو حاسبه (16) قصيدة شوقي في ذكرى كارنارفون

وقال شوقي في ذكرى كارنارفون:

من سره ألا يموت فبالعلا

خلد الرجال وبالفعال النابه

ما مات من جاز الثرى آثاره

واستولت الدنيا على آدابه

قل للمدل بماله وبجاهه

وبما يجل الناس من أنسابه

هذا الأديم يصد عن حضاره

وينام ملء الجفن عن غيابه

يريد بالأديم وجه هذه الأرض.

إلا فتى يمشي عليه مجددا

ديباجتيه معمرا لخرابه (17) قصيدة شوقي في تكريم الريحاني

وله في إكرام الفيلسوف الأديب الكبير الأستاذ أمين الريحاني اللبناني عندما جاء إلى مصر، وأقام له الأدباء حفلا على سفح الأهرام، قال:

قف ناج أهرام الجلال وناد

هل من بناتك مجلس أو ناد؟

ومنها:

إيه أمين لمست كل محجب

في الحسن من أثر العقول وباد

قم قبل الأحجار والأيدي التي

أخذت لها عهدا من الآباد

وخذ النبوغ عن الكنانة إنها

مهد الشموس ومسقط الآراد

ما زال يغشى الشرق من لمحاتها

في كل مظلمة شعاع هاد

كم من جلائل أنعم لمحمد

بل كم لإسماعيل بيض أياد

لولا اهتمامهما لظل الشرق في

واد وأبناء الزمان بواد

ثم يخاطب الريحاني، وهذا الخطاب يذكرني بدويا سمع مديحا في رجل كبير فقال: القول على الفعل يزين:

يا نجم سوريا ولست بأول

ماذا نمت من نير وقاد

أطلع على يمن بيمنك في غد

وتجل بعد غد على بغداد

وأجل خيالك في طلول ممالك

مما تجوب وفي رسوم بلاد

يقول له: لست أنت أول نجم من أنجم سورية، فقد طلع منها نيرات وقادة قبلك، فاطلع الآن بعد مصر على اليمن، وتجل على العراق لترى ما ترى في رسوم تلك الأربع وتتذكر مجد العرب القديم. ولقد قام الريحاني وايم الله بهذه المهمة، وكتب عن أحوال جزيرة العرب الكتب الممتعة، ودعا إلى وحدة العرب بكل طريقة، ولا بد من الاعتراف بهذه الحقيقة. ثم قال له:

قضيت أيام الشباب بعالم

لبس السنين قشيبة الأبراد

ولد البدائع والروائع كلها

وعدته أن يلد البيان عواد

لم يخترع شيطان حسان ولم

تخرج مصانعه لسان زياد

الله كرم بالبيان عصابة

في العالمين عزيزة الميلاد

يقول للريحاني إنك قضيت أيام شبابك في عالم جديد أذل الله له أعراف البدائع الصناعية وألان أعطاف الروائع العلمية، ولكنه لم يدرك شأو العرب في فصاحة اللسان، ولم يلد شعراء كثيرين مثل حسان بن ثابت، ولا خطباء كثيرين مثل زياد بن أبيه. ثم قال:

شوقي: صداقة أربعين سنة · الصفحة ٩٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شوقي: صداقة أربعين سنةص ٩٩