تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

هومير أحدث من قرون بعده

شعرا وإن لم تخل من آحاد

والشعر في حيث النفوس تلذه

لا في الجديد ولا القديم العادي

يقول: إن هومير وهو أقدم الشعراء، لا يزال شعره حديثا طليا لم يبلغ درجته شعراء كثيرون تأخروا عنه عشرات من القرون؛ وذلك أن الشعر ليس فيه قديم وجديد، وإنما فيه لذيذ وغير لذيذ، فما استلطفته النفوس فهو شعر لا تخلق ديباجته ولو كان قديما، وما مجته الأذواق فليس بشعر ولو كان جديدا. (18) رأي المؤلف في قديم الشعر وجديده

قلت: ولو كانت القدمة مما يهجن الشعر لوجب أن يكون هومير منبوذا؛ فإنه أقدم شاعر، ونحن لم نزل نقول لهؤلاء الذين لا يفتئون يتكلمون في القديم والجديد من الشعر، ويزعمون أن لكل عصر «مدرسة» على قولهم في الشعر: إن هذه «المدرسة» تكون في العلم، وتكون في الصناعة، وتكون في الزراعة، وتكون في كل شيء إلا في الشعر، فإن مدرسته هي القلب، وإن طريقته هي النفس، وإن النفس البشرية لم تتغير ولن تتغير، فهي هي في أذواقها ومشاربها ومواردها في الحياة ومصادرها، فإذا كان العلم يتغير بظهور حقائق جديدة وبروز أسرار كونية كانت حتى اليوم خافية، فإن العلم شيء والشعر شيء آخر.

وما سمعنا - يا ليت شعري - أن الإنجليز زهدوا في شعر شكسبير لكونه عاش قبل هذه الأيام بثلاثمائة سنة، ولا أن الألمان عابوا غوته لقدم عهده ومجيئه قبل اليوم بمائة وخمسين سنة، ولم يزل غوته هو عند الألمان سيد الشعراء، ولم يزل شكسبير عند الإنكليز أكبر الشعراء، وشكسبير وغوته وملتون وكورنيل وراسين ودانتي، وكل هؤلاء لم يعرفوا شيئا من أوضاع العصر الحاضر ببداهة كونهم قد سبقوه بأعصر، وهم على كل حال متقدمون لا محدثون.

وكم من مرة نقول لهم: ليس الشعر بكيمياء ولا طب ولا جغرافية ولا طبيعيات، وإنما هو تأثرات نفسية وانطباعات فكرية لا غير، هذا من جهة الشعر على العموم، وأما من جهة الشعر العربي الذي تريدون أن تفرنجوه، فالشعر العربي لا يكون شعرا إلا إذا وافق ذوق العرب، ولاءم مشارب أنفسهم، وجانس مذاهب لغتهم، واتصل بمناحي حياتهم نظمه قديم أو متوسط أو محدث كلهم على حد سواء، فإذا باين الشعر العربي أساليب العرب في بيانها وطرقها في التعبير عن خوالج نفوسها، لم يتأثر به قارئ، ولا يسوغه سامع من العرب، وربما لم يفهموه أصلا على حد ما قال الأستاذ محب الدين الخطيب: إن الواحد من هؤلاء «يظل يومه يسطو على منظومات الإفرنج يستل منها معانيها الغريبة عن الأذواق العربية، فيصوغها بألفاظ وتراكيب يلعن بعضها بعضا، فلا يفهم منها القارئ العربي إلا بقدر ما أفهم أنا من الصيني.» وأنا أيضا معترف بأني لا أفهم هذه اللغة التي يكتبون بها.

ثم يختم شوقي خطابه للريحاني:

أو دع لسانك واللغات فربما

غنى الأصيل بمنطق الأجداد

إن الذي ملأ اللغات محاسنا

جعل الجمال وسره في الضاد (19) إحدى قصائد شوقي في السلطان عبد الحميد

ولما ألقيت قذيفة على السلطان عبد الحميد سنة 1905 ونجا السلطان منها، هنأه شوقي بقصيدة مطلعها:

هنيئا أمير المؤمنين فإنما

نجاتك للدين الحنيف نجاة

ومنها:

بلوناك يقظان الصوارم والقنا

إذا ضيع الصيد الملوك سبات

سهرت ولذ النوم وهو منية

رعايا تولاها الهوى ورعاة

فلولاك ملك المسلمين مضيع

ولولاك شمل المسلمين شتات

لقد ذهبت راياتهم غير راية

لها النصر وسم والفتوح شيات

حنيفية قد عزها وأعزها

ثلاثون ملكا فاتحون غزاة

حماها وأسماها على الدهر منهم

ملوك على أملاكه سروات

أي إن سلاطين آل عثمان هم ذرى ملوك الإسلام.

غمائم في محل السنين هواطل

مصابيح في ليل الشكوك هداة

تهادت سلاما في ذراك مطيفة

لها رغبات الخلق والرهبات

تموت سباع الجو غرثى حيالها

وتحيا نفوس الخلق والمهجات

سننت اعتدال الدهر في أمر أهله

فبات رضيا في ذراك وباتوا

شوقي: صداقة أربعين سنة · الصفحة ١٠٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شوقي: صداقة أربعين سنةص ١٠٠