ولنعد إلى قصيدة شوقي في مشروع ملنر، فهو يقول:
يا رب قيد لا تحبونه
زمانكم لم يتقيد به
ومطلب في الظن مستبعد
كالصبح للناظر في قربه
واليأس لا يجمل من مؤمن
ما دام هذا الغيب في حجبه (14) قصيدة شوقي في مشروع 28 فبراير
وقال شوقي في مشروع 28 فبراير، ويا ليته عاش حتى رأى مصر حرة مطلقة من عقالها كما هي اليوم:
أعدت الراحة الكبرى لمن تعبا
وفاز بالحق من لم يأله طلبا
وجاء في حاشية هذه القصيدة هذا التفسير، وأظنه لمحمد حسين بك هيكل: «لم يأل: لم يقصر؛ قال تعالى:
لا يألونكم خبالا ، وهذا البيت من الحكم الغالية التي لا تتاح لغير أمير الشعراء، فكم وراء جهاد الحياة من راحة، وكم وراء الضعف من قوة.» قلت: إن لشوقي بلا نزاع حكما غالية لم تكن تتاح لغيره، إلا أنه لم يكن أبا عذرة هذه الحكمة التي استهل بها هذه القصيدة؛ فإن أبا تمام الطائي من قبله هو الذي قال:
بصرت بالراحة الكبرى فلم ترها
تنال إلا على جسر من التعب
وهي من قصيدته التي هنأ بها المعتصم على فتح عمورية:
السيف أصدق أنباء من الكتب
في حده الحد بين الجد واللعب
بيض الصفائح لا سود الصحائف في
متونهن جلاء الشك والريب
ثم يقول شوقي:
وما قضت مصر من كل لبانتها
حتى تجر ذيول الغبطة القشبا
في الأمر ما فيه من جد فلا تقفوا
من واقع جزعا أو طائر طربا
لا تثبت العين شيئا أو تحققه
إذا تحير فيها الدمع واضطربا
يريد أن يقول إن من الناس من استطاره طربا هذا الاستقلال المقيد؛ لأنه رآه بالقياس إلى الماضي غير منتظر، ومنهم من استطاره جزعا لأنه نصف استقلال وليس هو بنشيدة آمال المصريين، فهو ينهى الفريقين هذا عن الطرب وهذا عن الجزع، ثم يقول للجازع: إن العين لا ترى المرئيات جيدا إذا كان يجول الدمع في مآقيها، فارفع الدمع من عينك حتى تقدر أن ترى جليا.
إذا طلبت عظيما فاصبرن له
أو فاحشدن رماح الخط والقضبا
ولا تعد صغيرات الأمور له
إن الصغائر ليست للعلى أهبا
ولن ترى صحبة ترضى عواقبها
كالحق والصبر في أمر إذا اصطحبا
إن الرجال إذا ما ألجئوا لجئوا
إلى التعاون فيما جل أو حزبا
قال: إما الصبر وإما الحرب، فأما الصغائر فلا تصل بكم إلى غاية. ثم قال:
تمهدت عقبات غير هينة
تلقى ركاب السرى من مثلها نصبا
وأقبلت عقبات لا يذللها
في موقف الفصل إلا الشعب منتخبا
كم صعب اليوم من سهل هممت به
وسهل الغد في الأشياء ما صعبا
ضموا الجهود وخلوها منكرة
لا تملئوا الشدق من تعريفها عجبا
يريد أن يقول إن عقابا كئودا قد تمهدت، ولا تزال عقاب لا تقل عن تلك غير ممهدة، ولكن إذا اتفق الشعب وانتخب نوابه، فقد يصل إلى أربه، وربما تيسر في الغد ما لم يتيسر اليوم (ولقد تيسر ما تكهن به شوقي بعد ثماني سنوات مما قال)، فضموا مجهوداتكم واجعلوها فكرة منسوبة للبلاد بأسرها، ولا تضيعوا الوقت في نسبتها إلى الأشخاص، وتفضيل زيد على عمرو، والاختلاف على من كان هو العامل:
أفي الوغى ورحى الهيجاء دائرة
تحصون من مات أو تحصون ما سلبا
خلوا الأكاليل للتاريخ إن له
يدا تؤلفها درا ومخشلبا
أمر الرجال إليه لا إلى نفر
من بينكم سبق الأنباء والكتبا
يقول: إذا كانت الهيجاء دائرة، فليس من العقل أن يشتغل الناس بإحصاء من ذهب أو إحصاء ما ذهب، بل هذا متروك إلى ما بعد انتهاء المصاف، كذلك المعارك السياسية التي التاريخ وحده هو الذي يعطي فيها كل مقاتل حقه، فإلى التاريخ مرجع الفصل في هذه القضية، وأما أنتم فلستم الآن في تاريخ بل في سياسة تجب معالجتها بما يناسبها. ثم يقول:
قالوا الحماية زالت قلت لا عجب
بل كان باطلها فيكم هو العجبا
رأس الحماية مقطوع فلا عدمت
كنانة الله حزما يقطع الذنبا
ولقد آتى الله الكنانة حزما كافيا في أثناء غارة إيطاليا على الحبشة، فاستغلت الخصام الإيطالي الإنكليزي وقطعت ذنب تلك الحماية.