تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يريد بالقنابل كرات المدافع المنفجرة وهو خطأ دخل على لغة شوقي من كلام الجرائد، وكم للجرائد من فريسة في ميدان اللغة؛ فالقنابل في اللغة جمع قنبلة وهو مصيدة يصاد بها أبو براقش، والقنابل أيضا جمع قنبل بفتح فسكون ففتح، وهو الطائفة من الناس والطائفة من الخيل، قيل من الخمسين فصاعدا، وقيل من الثلاثين إلى الأربعين. وأما الكرة المحشوة بالديناميت التي تنفجر عند قذفها من فم المدفع فقد شبهوها بالقنبرة لا بالقنبلة؛ أي بالراء لا باللام، ووجه الشبه أن الكرة لها رأس ناتئ محدد وأن القنبرة وهي نوع من الدجاج لها فضل ريش في رأسها وهذه الكرة في شكلها كالقنبرة، وأظن هذا الاستعمال بدأ في زمان محمد علي أمير مصر؛ لأني رأيت هذه اللفظة في قصيدة للشيخ أمين الجندي الشاعر الحمصي؛ حيث يقول:

إن قيل إبراهيم جاء محاربا

سقطوا ولو كان الكلام تقولا

قامت قيامة عكة من بأسه

وأحاط من كل الجهات بها البلا

بمدافع ما إن لها من دافع

وقنابر تحكي الفضاء المنزلا

ثم يقول شوقي:

صعدتم وما غير القنا ثم مصعد

ولا سلم إلا الحديد المذرب

كما ازدحمت بئزان جو بمورد

أو ارتفعت تلقى الفريسة أعقب

فما زلتمو حتى نزلتم بروجه

ولم تحتضر شمس النهار فتغرب

والشطر الثاني من البيت الأول من هذه الأبيات الثلاثة ينظر إلى قول محمود سامي:

ونقع كموج البحر خضت غماره

ولا عاصم إلا الصفيح المشطب

وأما قوله: «ولم تحتضر شمس النهار فتغرب.» فالأولى فيه نصب فعل «تغرب» لأنه وارد بعد نفي كما تقدم الكلام عليه. وفي آخر القصيدة يقول شوقي مخاطبا السلطان عبد الحميد ولا ينسى في هذا الخطاب نغمته الدائمة، وهي أنه شاعر النيل غير مدافع:

وإني لطير النيل لا طير غيره

وما النيل إلا من رياضك يحسب

إذا قلت شعرا فالقوافي حواضر

وبغداد بغداد ويثرب يثرب

ولم أعدم الظل الخصيب وإنما

أجاز بك الظل الذي هو أخصب

فلا زلت كهف الدين والهادي الذي

إلى الله بالزلفى له يتقرب

وهذا البيت الأخير ينظر إلى قول القائل وأظنه الكميت في قصيدة يمدح بها آل البيت منها:

من النفر البيض الذين بحبهم

إلى الله في ما نابني أتقرب

بني هاشم رهط النبي فإنني

بهم ولهم أرضى مرارا وأغضب (13) قصيدة شوقي بمناسبة مجيء ملنر إلى مصر

ولشوقي يوم جاء اللورد ملنر إلى مصر سنة 1919 قصيدة رنانة عن المشروع الذي يسميه المصريون بمشروع ملنر؛ لأن شوقي لم يغفل حادثة سياسية ذات بال في الشرق حتى مهرها بمنظومة لتسجل تلك الحادثة على الدهر، قال:

اثن عنان القلب واسلم به

من ربرب الرمل ومن سربه

ومن تثني الغيد عن بانه

مرتجة الأرداف عن كثبه

إلى أن يقول:

يا ظبية الرمل وقيت الهوى

وإن سعت عيناك في جلبه

ولا ذرفت الدمع يوما وإن

أسرفت في الدمع وفي سكبه

هذي الشواكي النجل صدن امرأ

ملقى الصبا أعزل من غربه

صياد آرام رماه الهوى

بشادن لا برء من حبه

شاب وفي أضلعه صاحب

خلو من الشيب ومن خطبه

واه بجنبي خافق كلما

قلت تناهى لج في وثبه

ما خف إلا للهوى والعلا

أو لجلال الوفد في ركبه

بدأ هذه القصيدة بالنسيب ككثير من قصائده؛ لأنه كان على عادة شعراء العرب في تقديم النسيب، وأما الذي لم يرافق صاحبه في الشيب وشاب الصاحب ولم يشب المصحوب؛ فيريد به القلب لأنه طالما يكون الإنسان شيخا ويكون قلبه شابا، وتقول العامة لمن كان في هذه الحالة: «نفسه خضراء.» وأما قوله: «واه بجنبي خافق.» فهي كلمة للشيخ أحمد الزرقاني الشاعر الذي أنشدني قصيدة من شعره يوم ذهبت إلى مصر قدمتي الأولى إليها منذ خمس وأربعين سنة، وما زال عالقا بذهني منها ما يلي:

أرى لوعة بين الجوانح لا تهدأ

أهذا الذي سماه أهل الهوى وجدا؟

ويا أيها الواهي الخفوق بجانبي

أأنت هو القلب الذي يحفظ الودا؟

وكانت في شعر الزرقاني رقة يشعر بها كل سامع، ثم يقول شوقي:

ما بال قومي اختلفوا بينهم

شوقي: صداقة أربعين سنة · الصفحة ٩٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شوقي: صداقة أربعين سنةص ٩٦