ومن أحسن ما قال شوقي في حياته في هذه القصيدة وفي غيرها وما قاله شاعر قديم أو حديث وصف عبور الجيش العثماني مضيق «ملونا» في الحرب العثمانية اليونانية، ولا يكاد يوجد في العرب من يمت إلى الأدب بسبب إلا وهو يعرف هذه الأبيات قال:
جبال ملونا لا تخوري وتجزعي
إذا مال رأس أو تضعضع منكب
فما كنت إلا السيف والنار مركبا
وما كان يستعصي على الترك مركب
علوا فوق علياء العدو ودونه
مضيق كحلق الليث أو هو أصعب
فكان صراط الحشر ما ثم ريبة
وكانوا فريق الله ما ثم مذنب
يمرون مر البرق تحت دجنة
دخانا به أشباحهم تتجلبب
إلى أن قال في قتال الحاج عبد الأزل باشا قائد فرقة الفرسان الذي اقتحم الموت جهرا لا يمشي إليه الضراء، وذلك طمعا في الشهادة:
وأشمط سواس الفوارس أشيب
يسير به في الشعب أشمط أشيب
رفيقا ذهاب في الحروب وجيئة
قد اصطحبا والحر للحر يصحب
إذا شهداها جددا هزة الصبا
كما يتصابى ذو ثمانين يطرب
فيهتز هذا كالحسام وينثني
وينفر هذا كالغزال ويلعب
توالى رصاص المطلقين عليهما
يخضل من شيبيهما ويخضب
فقيل أنل أقدامك الأرض إنها
أبر جواد إن فعلت وأنجب
فقال أيرضى واهب النصر أننا
نموت كموت الغانيات ونعطب
ذروني وشأني والوغى لا مباليا
إلى الموت أمشي أم إلى الموت أركب
إلى أن يقول:
فهل من ملونا موقف ومسامع
ومن جبليها منبر لي فأخطب
فأسأل حصنيها العجيبين في الورى
ومدخلها الأعصى الذي هو أعجب
ويلاحظ هنا على قوله: «منبر لي فأخطب» بضم الفعل المضارع، وقد سبق ذلك استفهام في قوله: «فهل من ملونا» فالقاعدة هي أن الفعل ينتصب بعد الفاء إذا سبقه نفي أو استفهام، ثم يقول عن الترك:
هل البأس إلا بأسهم وثباتهم
أم الحزم إلا عزمهم والتلبب
أم الدين إلا ما رأت من جهادهم
أم الملك إلا ما أعزوا وهيبوا
وأي فضاء في الوغى لم يضيقوا
وأي مضيق في الوغى لم يرحبوا
وقال عن تلاقي الترك واليونان في سهل فرساله:
وفرسال إذا باتوا وبتنا أعاديا
على السهل لدا يرقبون ونرقب
وقام فتانا الليل يحمي لواءه
وقام فتاهم ليله يتلعب
توسد هذا قائم السيف يتقي
وهذا على أحلامه يتحسب
وهل يستوي القرنان هذا منعم
غرير وهذا ذو تجاريب قلب
إلى أن يقول:
ورحنا يهب الشر فينا وفيهم
وتشمل أرواح القتال وتجنب
أي إن رياح الحرب تهب شمالا وجنوبا.
ثم يقول:
كأنا أسود رابضات كأنهم
قطيع بأقصى السهل حيران مذنب
كأن خيام الجيش في السهل أينق
نواشز فوضى في دجى الليل أشزب
كأن السرايا ساكنات موائجا
قطائع تعطي الأمن طورا وتسلب
كأن القنا دون الخيام نوازلا
جداول يجريها الظلام ويسكب
كأن الدجى بحر إلى النجم صاعد
كأن السرايا موجه المتضرب
كأن المنايا في ضمير ظلامه
هموم بها فاض الضمير المحجب
كأن صهيل الخيل ناع مبشر
تراهن فيه ضحكا وهي نحب
كأن وجوه الخيل غرا وسيمة
دراري ليل طلع فيه ثقب
كأن أنوف الخيل حرا من الوغى
مجامر في الظلماء تهدأ وتلهب
كأن صدور الخيل غدر على الدجى
كأن بقايا النضح فيهن طحلب
كأن سنا الأبواق في الليل برقه
كأن صداها الرعد للبرق يصحب
كأن نداء الجيش من كل جانب
دوي رياح في الدجى تتذأب
كأن عيون الجيش في كل مذهب
من السهل جن جول فيه جوب
يريد بعيون الجيش جواسيسه وأرصاده، ثم يقول:
كأن الوغى نار كأن جنودنا
مجوس إذا ما يمموا النار قربوا
كأن الوغى نار كأن الردى قرى
كأن وراء النار حاتم يأدب
كأن الوغى نار كأن بني الوغى
فراش له في ملمس النار مأرب
وثبنا يضيق السهل عن وثباتنا
وتقدمنا نار إلى الروم أوثب
مشت في سراياهم فحلت نظامها
فلما مشينا أدبرت لا تعقب
لم يمر بي في الشعر العربي كأنات أحلى وأجزل من هذه الكأنات التي هي مع وصف عبور ملونا واستشهاد عبد الأزل باشا عيون هذه الملحمة الجبارة، ثم يقول:
فما في القوى أن السموات ترتقى
بجيش وأن النجم يغشى فيغضب
سموتم إليه والقنابل دونه
وشهب المنايا والرصاص المصوب