تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كانت قصائده هي الصوت الذي

سرى عن الإسلام ثقل سباته

بعثت به روح الحياة كأنها

هي صور إسرافيل في زعقاته

وقلت:

ما حل بالإسلام حيف مصيبة

إلا وكان لها لسان شكاته

يحمي حقائقه ويوضح سبله

ويقيل طول الوقت من عثراته

وقلت:

وفى عن الشرق القديم نضاله

من يوم نشأته ليوم وفاته

أبدا يحذره استلاب تراثه

منه ويحفزه لأخذ تراته

لم يفتتن من عصره بمساوئ

كلا ولم يغمطه من حسناته

قد لازم الإنصاف في أحكامه

لا فرق بين صحابه وعداته (12) ملحمة شوقي في حرب اليونان

ولا مراء في أنه لم يقل شوقي من شعر الملاحم أعظم من قصيدته البائية في الحرب العثمانية التي أولها:

بسيفك يعلو الحق والحق أغلب ... ... ... ...

فإنها القصيدة الغراء، واليتيمة الدهماء، والكلمة التي طارت في الآفاق فحلقت فوق المحلقات، ولا نظن أنه يوجد عربي يمت إلى الأدب بسبب إلا وهو يروي من هذه القصيدة كثيرا أو قليلا، ونحن أولاء الآن نروي منها بعض المقاطع التي يلوح لنا أنها آخذ للألباب وأملك للقلوب من غيرها وإلا فهي من الألف إلى الياء محكمة السرد متساوية النسج لا تجد فيها عوجا ولا أمتا.

قال:

ومملكة اليونان محلولة العرى

رجاؤك يعطيها وخوفك يسلب

هددت أمير المؤمنين كيانها

بأسطع مثل الصبح لا يتكذب

وما زال فجرا سيف عثمان صادقا

يساويه من عالي ذكائك كوكب

إذا ما صدعت الحادثات بحده

تكشف داجي الخطب وانجاب غيهب

سما بك يا عبد الحميد أبوة

ثلاثون حضار الجلالة غيب

يريد أنه سليل ثلاثين سلطانا إن كانوا قد درجوا فإن جلالتهم لا تزال حاضرة في الأذهان:

قياصر أحيانا خلائف تارة

خواقين طورا والفخار المقلب

يريد بقوله قياصرة أنهم استووا على عرش القسطنطينيين مكان قياصرة الرومان، وبقوله خلائف أنهم تسلموا الخلافة الإسلامية مذ عهد سليم الأول من بني العباس، وبقوله خواقين بأنهم سلاطين الأتراك؛ لأن ملك الترك يقال له خاقان، قال الحسن بن هاني:

كأن عمود الصبح خاقان معشر

من الترك نادى بالنجاشي فاستخفى

ثم قال:

نجوم سعود الملك أقمار زهوه

لو ان النجوم الزهر يجمعها أب

تواصوا به عصرا فعصرا فزاده

معممهم من هيبة والمعصب

ثم يقول:

ظهرت أمير المؤمنين على العدى

ظهورا يسوء الحاسدين ويتعب

سل العصر والأيام والناس هل نبا

لرأيك فيهم أو لسيفك مضرب

همو ملئوا الدنيا جهاما وراءه

جهام من الأعوان أهدى وأكذب

فلما استللت السيف أخلب برقهم

وما كنت يا برق المنية تخلب

أخذتهمو لا مالكين لحوضهم

من الذود إلا ما أطالوا وأسهبوا

ولم يتكلف قومك الأسد أهبة

ولكن خلقا في السباع التأهب

كذا الناس بالأخلاق يبقى صلاحهم

ويذهب عنهم أمرهم حين تذهب

ومن شرف الأوطان ألا يفوتها

حسام معز أو يراع مهذب

يعيد معنى بيته «وإنما الأمم الأخلاق» يذكر أن الأوطان لتكون عزيزة محتاجة إلى الجمع بين السيف والقلم، ثم يقول:

ملكت سبيلهم ففي الشرق مضرب

لجيشك ممدود وفي الغرب مضرب

ثمانون ألفا أسد غاب ضراغما

لها مخلب فيهم وللموت مخلب

إذا حلمت فالشر وسنان حالم

وإن غضبت فالشر يقظان مغضب

فيالق أفشى في البلاد من الضحى

وأبعد من شمس النهار وأقرب

تلوح لهم في كل أفق وتعتلي

وتطلع فيهم من مكان وتغرب

وتغشى أبيات المعاقل والذرى

فثيبهن البكر والبكر ثيب

يقود سراياها ويحمي لواءها

سديد المرائي في الحروب مجرب

يجيء بها حينا ويرجع مرة

كما تدفع اللج البحار وتجذب

ومنها:

ونادت فلبى الخيل من كل جانب

ولبى عليها القسور المترقب

خفافا إلى الداعي سراعا كأنما

من الحرب داع للصلاة مثوب

منيفين من حول اللواء كأنهم

له معقل فوق المعاقل أغلب

وما هي إلا دعوة وإجابة

إن التحمت والحرب بكر وتغلب

فأبصرت ما لم تبصرا من مشاهد

ولا شهدت يوما معد ويعرب

هنا جاشت الفكرة برأس شوقي فذهبت به إلى أبعد حدود المبالغة، فلا نزاع في الترك إذا ذكرت الشجاعة والصبر على الحروب كانوا في الذروة العليا التي ينحط عنها السيل، ولكن القول بأن مشاهدهم لم تشهدها معد ويعرب فيه نظر. ولعمري أن معدا ويعرب عندما فاضت جموعها على بلاد الله كانت تقاتل في ساحات لا يحصيها العدد، فبينما جيوشها تحاصر القسطنطينية كانت جيوش أخرى تفتح إسبانيا وجنوبي فرنسا، وأخرى تقاتل أمة البربر العاصية، وأخرى تتوغل في إفريقية، وجحافل تغزو الهند، وفيالق تغزو الخزر، وجيوش فيما وراء النهر تغزو الأتراك في عقر دارهم. وكل ذلك في وقت واحد لا تلهيهم حرب عن حرب ولا تشغلهم ساحة قتال عن ساحة قتال، وكانت حرب الترك ساحة واحدة من تلك الساحات الكثيرة يستقل بها قائد مثل قتيبة بن مسلم الباهلي تجتمع عليه الترك من كل حدب، فيوالي عليها الهزائم ويقودها بالخزائم، وهو في قلة بالقياس إلى أمم الترك التي اجتمعت عليه من كل صوب، وما زال يثخن فيها حتى ضرب عليها الذلة والمسكنة إلى حدود الصين، ولاذت أخيرا من بأسه بالإسلام ودانت به، فكان من ذلك الوقت مبدأ دخول الترك في الدين العربي، فصاروا فيما بعد أحمى حماته وأمضى سيوفه، ولكن لا يقال إن أمة من الأمم تقدر أن تبذ العرب في ميادين القتال إذا كانت العرب مجتمعة على قلب واحد. وما أتى العرب إلا من تقطع ما بينهم، وصعوبة مقادتهم لرئيس واحد. وفي هذا يفضلهم الترك وبهذا سادوا عليهم.

شوقي: صداقة أربعين سنة · الصفحة ٩٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شوقي: صداقة أربعين سنةص ٩٤