فلا تقتلك شهوته وزنها
كما تزن الطعام أو الشرابا
أي حفظ المال ينبغي أن يكون بميزان كما يزن الإنسان طعامه وشرابه على قدر حاجته إليهما؛ فلا يسرف ولا يقتر ويكون بين ذلك قواما، ثم يقول:
وخذ لبنيك والأيام ذخرا
وأعط الله حصته احتسابا
فلو طالعت أحداث الليالي
وجدت الفقر أقربها انتيابا
وأن البر خير في حياة
وأبقى بعد صاحبه ثوابا
وأن الشر يصدع فاعليه
ولم أر خيرا بالشر آبا
فرفقا بالبنين إذا الليالي
على الأعقاب أوقعت العقابا
ولم يتقلدوا شكر اليتامى
ولا ادرعوا الدعاء المستجابا
عجبت لمعشر صلوا وصاموا
ظواهر خشية وتقى كذابا
وتلفيهم حيال المال صما
إذا داعي الزكاة بهم أهابا
وهذا مرض المسلمين في الوقت الحاضر؛ تجدهم اختلفوا في كل شيء إلا أنهم اجتمعوا على خلق واحد، وهو الإمساك الشديد في المصالح العامة، مع أنهم يرون النصارى واليهود ماذا يبذلون وماذا يتكلفون على مصالحهم العامة، وأنهم يجودون في هذه السبيل جود من لا يخشى الفقر، وكأن المسلمين يريدون أن يكتفوا بالصلاة والصيام دون الزكاة التي لا يكون الإسلام إسلاما من دونها. وهذا أكثر الأصل في بلائهم الذي يتخبطون فيه، وقد وفى شوقي هذا الموضوع حقه وكان كما قلنا نطاسيا تاما في معرفة علل الإسلام الحاضرة:
لقد كتموا نصيب الله منه
كأن الله لم يحص النصابا
ومن يعدل بحب الله شيئا
كحب المال ضل هوى وخابا
أراد الله بالفقراء برا
وبالأيتام حبا وارتبابا
فرب صغير قوم علموه
سما وحما المسومة العرابا
وكان لقومه نفعا وفخرا
ولو تركوه كان أذى وعابا
فعلم ما استطعت لعل جيلا
سيأتي يحدث العجب العجابا
ولولا البخل لم يهلك فريق
على الأقدار تلقاهم غضابا
تعبت بأهله لوما وقبلي
دعاة البر قد سئموا الخطابا
وكان شوقي سخيا بما يملك لا يأبى أن يجمع المال، ولكنه كان يجمعه لينفقه ويعطي البر حقه ويمتع به أهله الذين كان لهم كما قال خليله المطران: «رئبالا في اللأواء.» وكان فعل شوقي مطابقا لقوله من جهة مؤاساة الفقراء، ثم إنه أخذ يبين المساواة الطبيعية بين البشر ليتبصر بها الذين يستأثرون بالمال لأنفسهم ولا يريدون أن يجعلوا للفقير نصيبا:
ألم تر للهواء جرى فأفضى
إلى الأكواخ واخترق القبابا
وأن الشمس في الآفاق تغشى
حمى كسرى كما تغشى اليبابا
وأن الماء يروى الأسد منه
ويشفي من تلعلعها الكلابا
وسرى الله بينكم المنايا
ووسدكم مع الرسل الترابا
ومن هنا تخلص إلى ذكر الرسول الأعظم
صلى الله عليه وسلم
الذي لم يشرف الفقراء ولا اليتامى بشيء مثل كونه خرج منهم، فقال شوقي:
وأرسل عائلا منكم يتيما
دنا من ذي الجلال فكان قابا
نبي البر بينه سبيلا
وسن خلاله وهدى الشعابا
تفرق بعد عيسى الناس فيه
فلما جاء كان لهم مثابا
وكان بيانه للهدي سبلا
وكانت خيله للحق غابا
وعلمنا بناء المجد حتى
أخذنا إمرة الأرض اغتصابا
وما نيل المطالب بالتمني
ولكن تؤخذ الدنيا غلابا
وما استعصى على قوم منال
إذا الإقدام كان لهم ركابا
هذه الأبيات تكاد تكون أمثالا سائرة أشبه بقول شوقي: «وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت.» ثم ذكر شوقي مولد الهادي عليه السلام، فقال:
تجلى مولد الهادي وعمت
بشائره البوادي والقصابا
وأسدت للبرية بنت وهب
يدا بيضاء طوقت الرقابا
لقد وضعته وهاجا منيرا
كما تلد السموات الشهابا
ثم خاطب النبي قائلا له: إني سألت الله النصر لأبناء ديني، فإن كنت أنت الوسيلة عنده تعالى فإنه المجيب هذا الدعاء، فهو يقول:
سألت الله في أبناء ديني
فإن تكن الوسيلة لي أجابا
وما للمسلمين سواك حصن
إذا ما الضر مسهمو ونابا
كأن النحس حين جرى عليهم
أطار بكل مملكة غرابا
ولو حفظوا سبيلك كان نورا
وكان من النحوس لهم حجابا
بنيت لهم من الأخلاق ركنا
فخلوا الركن فانهدم اضطرابا
فكيف قلبت نظرك في شعر شوقي وجدته يطوف في الآفاق ويرجع إلى مركز واحد هو الإسلام في دينه، والشرق في وطنه والعربية في لغته والأخلاق في وصيته والعلم في رغبته، فكان عقله قويما وذوقه سليما ووفاؤه عظيما، وقد قلت فيه يوم رثيته: