هو ركن مملكة وحائط دولة
وقريع شهباء وكبش نطاح
أأقول من أحيا الجماعة ملحد
وأقول من رد الحقوق إباحي؟
الحق أولى من وليك حرمة
وأحق منك بنصرة وكفاح
فامدح على الحق الرجال ونلهمو
أو خل عنك مواقف النصاح
لا شك بأن الحق أولى بأن يقال، ولكن نقطة العراك هنا هي تعيين الحق فإنه بعد أن استقلت تركيا ضل الناس سبيل الحق في تاريخ حوادث هذا الاستقلال فجعلوا الفضل كله في تحرير تركيا لمصطفى كمال، وزعموا أنه هو الذي أوجدها من العدم بعد أن كان قضي عليها القضاء المبرم. وهذا خلاف الحق وهو الخطأ المشهور الذي لا بد للتاريخ من أن يصححه في يوم من الأيام، ولو كان مصطفى كمال خدم تركيا في الحرب الخدمة الكبرى وكان من أعاظم القواد بلا نكير:
ومن الرجال إذا انبريت لهدمهم
هرم غليظ مناكب الصفاح
فإذا قذفت الحق في أجلاده
ترك الصراع مضعضع الألواح
أدوا إلى الغازي النصيحة ينتصح
إن الجواد يثوب بعد جماح
إن الغرور سقى الرئيس براحه
كيف احتيالك في صريع الراح
نقل الشرائع والعقائد والقرى
والناس نقل كتائب في الساح
أي أراد أن يلغي العقائد والتقاليد القديمة والأوضاع التي مضت عليها القرون بمجرد أوامر عسكرية أشبه بالأوامر التي يصدرها في ساحة الحرب:
تركته كالشبح المؤله أمة
لم تسل بعد عبادة الأشباح
هم أطلقوا يده كقيصر فيهم
حتى تناول كل غير مباح
غرته طاعات الجموع ودولة
وجد السواد لها هوى المرتاح
وإذا أخذت المجد من أمية
لم تعط غير سرابه اللماح
من قائل للمسلمين مقالة
لم يوحها غير النصيحة واح
عهد الخلافة في أول ذائد
عن حوضها بيراعة النضاح
لم يتخلف شوقي عن موقف صدق من مواقف الإسلام جميعها؛ ومن جملتها تأييد الخلافة الإسلامية، وقد سبق لنا شواهد كثيرة من شعره تؤيد صحة دعواه هذه:
حب لذات الله كان ولم يزل
وهوى لذات الحق والإصلاح
إني أنا المصباح لست بضائع
حتى أكون فراشة المصباح
غزوات أدهم كللت بذوابلي
وفتوح أنور فصلت بصفاحي
أدهم هو أدهم باشا قائد الجيش العثماني المظفر في الحرب اليونانية، وأنور هو أنور باشا المشهور أحد أبطال الإسلام في التاريخ:
ولت سيوفهما وبان قناهما
وشبا يراعي غير ذات براح
لا تبذلوا برد النبي لعاجز
عزل يدافع دونه بالراح
بالأمس أوهى المسلمين جراحة
واليوم مد لهم يد الجراح
فلتسمعن بكل أرض داعيا
يدعو إلى الكذاب أو لسجاح
ولتشهدن بكل أرض فتنة
فيها يباع الدين بيع سماح
رحم الله شوقي فلم يكن طبيب أبصر منه بعلل الإسلام الحاضرة، وكان يعلم أن أكثر من يبيعون الدين ويفتون لأعداء الإسلام بما يريدون منه هم من رجال الدين ومن ذوي العمائم ويا للأسف! فقد جنت هذه الطبقة على الدين جنايات لا توصف، وأخذت بالصادقين المخلصين من هذه الطبقة، ومنهم فقهاء الأناضول الذين لولاهم لم يتم القيام لمحاربة اليونان والحلفاء:
يفتي على ذهب المعز وسيفه
وهوى النفوس وحقدها الملحاح (11) قصيدته في المولد النبوي
وله في ذكرى المولد قصيدة ليس للقلب طاقة أن يمر بها فلا يأخذ منها إلى هذا الكتاب شيئا، ولا سيما أن في أولها أبياتا هي اليوم لسان حالي الباعث بي لهذه الذكريات أضمد بها جراح النوى وأردد أوراد الأسى، فهو يقول:
وكل بساط عيش سوف يطوى
وإن طال الزمان به وطابا
كأن القلب بعدهمو غريب
إذا عادته ذكرى الأهل ذابا
ولا ينبيك عن خلق الليالي
كمن فقد الأحبة والصحابا
أخا الدنيا أرى دنياك أفعى
تبدل كل آونة إهابا
فمن يغتر بالدنيا فإني
لبست بها فأبليت الثيابا
لها ضحك القيان إلى غبي
ولي ضحك اللبيب إذا تغابى
جنيت بروضها وردا وشوكا
وذقت بكأسها شهدا وصابا
فلم أر غير حكم الله حكما
ولم أر دون باب الله بابا
ولا عظمت في الأشياء إلا
صحيح العلم والأدب اللبابا
ولا كرمت إلا وجه حر
يقلد قومه المنن الرغابا
ولم أر مثل جمع المال داء
ولا مثل البخيل به مصابا