تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

شيعت من هلع بعبرة ضاحك

في كل ناحية وسكرة صاح

ضجت عليك مآذن ومنابر

وبكت عليك ممالك ونواح

الهند والهة ومصر حزينة

أمحا من الأرض الخلافة ماح؟

وأتت لك الجمع الجلائل مأتما

فقعدن فيه مقاعد الأنواح

يا للرجال لحرة موءودة

قتلت بغير جريرة وجناح

إن الذين أست جراحك حربهم

قتلتك سلمهم بغير جراح

أي ثاروا لأجل أن يضمدوا جراح الخلافة بزعمهم فلما اتسق لهم النصر قتلوا هذه الخلافة نفسها بغير جراح، وبئس العهد وساءت الشيمة:

هتكوا بأيديهم ملاءة فخرهم

موشية بمواهب الفتاح

نزعوا عن الأعناق خير قلادة

ونضوا عن الأعطاف خير وشاح

حسب أتى طول الليالي دونه

قد طاح بين عشية وصباح

وعلاقة فصمت عرى أسبابها

كانت أبر علائق الأرواح

نعم، كانت الخلافة هي أحسن علاقة جامعة بين المسلمين وكان أربعمائة مليون مسلم في العالم يتولون حكومة تركيا بحجة أنها دولة الخلافة، فجاء مصطفى كمال وقطع هذه العلاقة بين تركيا والعالم الإسلامي، وزعم أنه لا يلوي على علاقة غير علاقة الترك خاصة وأن سائر المسلمين والأجانب في نظره سواء، وهو أمر مخالف للحقيقة وللواقع وللمصلحة، وكان أنور - رحمه الله - يقول لي: إن الأتراك الذين في الروسية لا يعطفون علينا نحن أتراك تركيا بسبب أننا ترك بل بسبب أننا مسلمون. وهؤلاء الياقوت الذي هم في سيبيريا هم ترك من المحتد مثلنا، ولكن نظرا لكونهم وثنيين لا يعطفون علينا ولا نعطف عليهم ولا يعرفوننا ولا نعرفهم.

جمعت على البر الحضور وربما

جمعت عليه سرائر النزاح

نظمت صفوف المسلمين وخطوهم

في كل غدوة جمعة ورواح

بكت الصلاة وتلك فتنة عابث

بالشرع عربيد القضاء وقاح

وقد علق تحت هذا البيت تفسيرا للعربيد؛ وهو الشرير الكثير العربدة، وهي سوء الخلق من السكر:

أفتى خزعبلة وقال ضلالة

وأتى بكفر في البلاد بواح

إن الذين جرى عليهم فقهه

خلقوا لفقه كتيبة وسلاح

أي إن هذه النظريات إنما انقاد لها أناس لا يعلمون شيئا سوى الحرب والضرب، فأما الذين يفكرون في مصاير الأمور ويفهمون شدوا من السياسة فلا يمكن أن تعجبهم:

إن حدثوا نطقوا بخرس كتائب

أو خوطبوا سمعوا بصم رماح

أستغفر الأخلاق لست بجاحد

من كنت أدفع دونه وألاحي

ما لي أطوقه الملام وطالما

قلدته المأثور من أمداحي

لا جرم أن شوقي وغير شوقي قد استعجلوا في الحكم، وأنا نفسي من هؤلاء المستعجلين، وطالما عذلت صديقي أنور على خلافه مع مصطفى كمال، ولما كان مراد أنور بعد الحرب أن ينسل نجيا من برلين إلى الأناضول ويأخذ بنصيبه من الجهاد لاستقلال تركيا نهيته عن هذا الأمر خشية أن يكون ذهابه إلى الأناضول مثار فتنة بينه وبين مصطفى كمال تكون نتيجتها صدع الوحدة وتشظية العصا.

وقد استعنت عليه بالدكتور ناظم بك - أحد أركان جمعية الاتحاد والترقي والوطني المشهور الذي كانت نزاهته أشهر من أن تذكر، وشنقه مصطفى كمال بتهمة المؤامرة على حياته، وهو بريء من تلك المؤامرة براءة الذئب من دم يوسف، ولكنه كان ينتقد سياسة الغازي علنا - فهذا الرجل هو الذي أعانني على أنور عندما كنا في برلين حتى توقف عن الدخول إلى الأناضول، وهكذا أمنا شر الاختلاف بين قائدي الأتراك الكبيرين، ولكن مصطفى كمال إلى ذلك العهد كان جاعلا شعاره الإسلام لا غير وكان يشهد الجمع ويحضر قراءة المولد ولا يبرح يخطب قائلا: إخواننا العرب، إخواننا العرب، إخواننا المصريون وإخواننا المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها.

وقد ذكرت مرة في إحدى الجرائد كيف قال لي: لا بد أن نسترجع القدس إن شاء الله وهذا محقق، وإنما أقول إن شاء الله كمسلم لا أقول إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله ... فهذه النغمات التي كان يسمعها الناس منه دائما ولا يعلمون ما يطوي في قلبه من دونها حملت الناس على حبه والثناء عليه بإسراف، فلما انعقدت معاهدة لوزان وتم الصلح مع تركيا وظن الغازي أنه أمن المستقبل قلب ظهر المجن، ونسي ما كان يقوله وجاهر بعكس ما كان يجاهر به من قبل:

شوقي: صداقة أربعين سنة · الصفحة ٩١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شوقي: صداقة أربعين سنةص ٩١