تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ثم هاجت بشوقي نخوة الإسلام، شأنه في كل موقف، وحمي أنفه للمدنية الإسلامية وقارن بينها وبين غيرها، فقال:

واترك رعمسيس إن الملك مظهره

في نهضة العدل لا في نهضة الهرم

دار الشرائع روما كلما ذكرت

دار السلام لها ألقت يد السلم

ما ضارعتها بيانا عند ملتأم

ولا حكتها قضاء عند مختصم

ولا احتوت في طراز من قياصرها

على رشيد ومأمون ومعتصم

من الذين إذا سارت كتائبهم

تصرفوا بحدود الأرض والتخم

ويجلسون إلى علم ومعرفة

فلا يدانون في عقل ولا فهم

وختم شوقي هذه القصيدة بأبيات في غاية التأثير تذوب لها القلوب حسرة وذكرى وتتحدر العبرات شفعا ووترا، وتشهد لشوقي فوق شهادات لا تحصى بأنه شاعر الإسلام بجميع جوارحه رحمه الله وجزاه عن الإسلام خيرا:

يا رب هبت شعوب من منيتها

واستيقظت أمم من رقدة العدم

سعد ونحس وملك أنت مالكه

تديل من نعم فيه ومن نقم

رأى قضاؤك فينا رأي حكمته

أكرم بوجهك من قاض ومنتقم

فالطف لأجل رسول العالمين بنا

ولا تزد قومه خسفا ولا تسم

يا رب أحسنت بدء المسلمين به

فتمم الفضل وامنح حسن مختتم

ومن أحسن ما قال شوقي الخطاب الذي خاطب به الخديوي عند زيارته للمدينة المنورة:

إذا زرت يا مولاي قبر محمد

وقبلت مثوى الأعظم العطرات

وفاضت من الدمع العيون مهابة

لأحمد بين الستر والحجرات

وأشرق نور تحت كل ثنية

وضاع أريج تحت كل حصاة

لمظهر دين الله فوق تنوفة

وباني صروح المجد فوق فلاة

فقل لرسول الله: يا خير مرسل

أبثك ما تدري من الحسرات

شعوبك في شرق البلاد وغربها

كأصحاب كهف في عميق سبات

بإيمانهم نوران ذكر وسنة

فما بالهم في حالك الظلمات

وذلك ماضي مجدهم وفخارهم

فما ضرهم لو يعملون لآت

وهذا زمان أرضه وسماؤه

مجال لمقدام كبير حياة

مشى فيه قوم في السماء وأنشئوا

بوارج في الأبراج ممتنعات

فقل رب وفق للعظائم أمتي

وزين لها الأفعال والعزمات (10) شوقي والخلافة

وجاء في ديوان شوقي الذي طبع مؤخرا وعليه مقدمة من قلم محمد حسين بك هيكل تحت عنوان «خلافة الإسلام» ما يلي:

ما كاد العالم الإسلامي يفرح بانتصار الأتراك على أعدائهم في ميدان الحرب والسياسة ذلك النصر الحاسم الذي كان حديث الدنيا، والذي تم على يد مصطفى كمال باشا في سنة 1923 - قلنا: هذا غلط مشهور؛ فالحركة الوطنية في تركيا قام بها كاظم قره بكير وغيره قبل مصطفى كمال، ثم إنها بعد أن التحق مصطفى كمال بالحركة لم يكن فيها وحده، بل كان فيها عدة أبطال مثل كاظم قره بكير وحسين رءوف وعلي فؤاد ورأفت وعلى إحسان ونور الدين وعمر فوزي وغيرهم ممن أنقذ تركيا اجتماع مجهوداتهم، وأكثر الفضل في انقياد الشعب التركي لهؤلاء يرجع إلى علماء الدين الذين تقدموا إلى الشعب باسم الدين، ولولاهم لم يقم أهل الأناضول بهذه الحرب الاستقلالية - حتى أعلن هذا إلغاء الخلافة ونفى الخليفة من بلاد الأتراك، فنظم الشاعر هذه القصيدة يرثي فيها الخلافة وينبه ممالك الإسلام إلى إسداء النصح لهذا الرجل لعله يبني ما هدم وينصف من ظلم:

عادت أغاني العرس رجع نواح

ونعيت بين معالم الأفراح

كفنت في ليل الزفاف بثوبه

ودفنت عند تبلج الإصباح

أي إن مجلس أنقرة الكبير ومصطفى كمال نفسه أعلنوا بمنشور رسمي يوم أسسوا الحكومة التركية في أنقرة بأن جل مقصدهم من هذه الثورة على الدول الأجنبية المحتلة، هو إنقاذ الخلافة الإسلامية واستخلاص الخليفة الذي هو أسير في استامبول بين أيدي الإنجليز، وأعلنوا هذا القرار على جميع سكان تركيا، بل أوصلوه إلى جميع العالم الإسلامي، وكتبوا به إلى الإمام يحيى وغيره من ملوك الإسلام، فإنقاذ الخلافة كان هو الغرض الأول بزعم مصطفى كمال من هذه الحرب الاستقلالية، فلما انتهت الحرب بالطائلة للأتراك كان أول ما فعله مصطفى كمال إلغاء نفس هذه الخلافة التي زعم أنه إنما ثار لأجل المحافظة عليها، فكان دفنها ليلة الزفاف كما قال شوقي، ثم قال:

شوقي: صداقة أربعين سنة · الصفحة ٩٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شوقي: صداقة أربعين سنةص ٩٠