تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

في يوم لا عز بالأنساب واللحم

يزري قريضي زهيرا حين أمدحه

ولا يقاس إلى جودي ندى هرم

محمد صفوة الباري ورحمته

وبغية الله من خلق ومن نسم

وصاحب الحوض يوم الرسل سائلة

متى الورود وجبريل الأمين ظمي

ثم يقول:

لما رآه بحيرا قال نعرفه

بما حفظنا من الأسماء والسيم

سائل حراء وروح القدس قد علما

مصون سر عن الإدراك منكتم

ثم قال:

ونودي اقرأ تعالى الله قائلها

لم يتصل قبل من قيلت له بفم

هناك أذن للرحمن فامتلأت

أسماع مكة من قدسية النغم

جاء النبيون بالآيات فانصرمت

وجئتنا بحكيم غير منصرم

أي بالقرآن الحكيم.

آياته كلما طال المدى جدد

يزينهن جلال العتق والقدم

ومن مستحسن أبياتها:

جبت السموات أو ما فوقهن بهم

على منورة وردية اللجم

ركوبة لك من عز ومن شرف

لا في الجياد ولا في الأينق الرسم

مشيئة الخالق الباري وصنعته

وقدرة الله فوق الشك والتهم

حتى بلغت سماء لا يطار لها

على جناح ولا يسعى على قدم

وقيل كل نبي عند رتبته

ويا محمد هذا العرش فاستلم

ولما كان صاحب البردة قال:

فإن لي ذمة منه بتسميتي

محمدا وهو أوفى الخلق بالذمم

أراد أحمد شوقي أن يباريه في ذمة مثلها من التسمية بأحمد:

يا أحمد الخير لي جاه بتسميتي

وكيف لا يتسامى بالرسول سمي

المادحون وأرباب الهوى تبع

لصاحب البردة الفيحاء ذي القدم

الله يشهد أني لا أعارضه

من ذا يعارض صوب العارض العرم

وإنما أنا بعض الغابطين ومن

يغبط وليك لا يذمم ولا يلم

وقد أحسن أبو علي بهذا الاستدراك وتنصله من معارضة سيد من جاء بالسهل الممتنع والداني المرتفع، ثم قال خطابا للرسول عليه السلام:

إن قلت في الأمر لا أو قلت فيه نعم

فخيرة الله في لا منك أو نعم

أخوك عيسى دعا ميتا فقام له

وأنت أحييت أجيالا من الأمم

ودخل شوقي في جدل مع الذين اعترضوا على الإسلام، وقراع مع القادحين فيه فقال:

قالوا غزوت ورسل الله ما بعثوا

لقتل نفس ولا جاءوا لسفك دم

جهل وتضليل أحلام وسفسطة

فتحت بالسيف بعد الفتح بالقلم

لما أتى لك عفوا كل ذي حسب

تكفل السيف بالجهال والعمم

والشر إن تلقه بالخير ضقت به

ذرعا وإن تلقه بالشر ينحسم

سهل المسيحية الغراء كم شربت

بالصاب من شهوات الظالم الغلم

لولا حماة لها هبوا لنصرتها

بالسيف ما انتقمت بالرفق والرحم

يريد أن يقول إن كلام هؤلاء المعترضين سفسطة محضة؛ لأن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن، وإن نبي الإسلام في بدء دعوته لم يأل جهدا في الدعوة بالرفق والمقارعة بالبرهان، وإنه ما دفع إلى الضرب والحرب إلا من بعد أن رأى عقم الوعظ والنصح، وأن لا حيلة في الجهل والظلم إذا مرد الناس عليهما إلا بالتأديب أن هذه المسيحية التي تعلن أنها دين السلام أصابها من الطرد والقتل والتعذيب والانتقام والاصطلام ما لا تسعه الكتب المؤلفة، وبقي ذلك مدة ثلاثمائة سنة إلى أن تنصر قسطنطين فحينئذ استقرت قواعدها وانتشرت في الأرض وأمنت الغوائل، ولم تنتشر في الأرض إلا بقوة ملوكها وسلاطينها، وكم من ملك من ملوك النصرانية بث المسيحية أو الكاثوليكية بالسيف مثل شارلمان وملوك فرنسا، ومثل قياصرة بيزنطة ومثل ملوك الروسية وملوك المجر وغيرهم، ثم عزز كلامه هذا بشواهد العصر الحاضر، فقال:

تلك الشواهد تترى كل آونة

في الأعصر الغر لا في الأعصر الدهم

بالأمس مالت عروش واعتلت سرر

لولا القذائف لم تثلم ولم تصم

أشياع عيسى أعدوا كل قاصمة

ولم نعد سوى حالات منقصم

جاء في الطبعة الثانية من ديوان شوقي تعليقا على هذه الأبيات، ولعله بقلم الكاتب الفاضل حسين بك هيكل ما يلي:

إن المتشيعين اليوم للدين المسيحي «دين الهدوء والسلام» هم أهل القوة الحربية الدائبون على إعداد المهلكات في الحروب، حتى كأنهم أصبحوا ولم يبق لهم من شغل يشغلهم إلا استخراج الذهب من بطون الأرض وإنفاقه على مصانع الحديد والفولاذ لطبع آلات الحرب في طول الأرض وعرض البحر، وقد افتنوا في أسباب الإهلاك والتدمير، ولم يكفهم أن يدمدموا على الناس ويأخذوهم بالبلاء عن أيمانهم وعن شمائلهم ومن خلفهم ومن تحت أرجلهم حتى قاموا على تسخير الرياح ليرموهم من فوق رءوسهم بكل دهياء ... إلخ.

شوقي: صداقة أربعين سنة · الصفحة ٨٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شوقي: صداقة أربعين سنةص ٨٩