تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يا أيها المسرى به شرفا إلى

ما لا تنال الشمس والجوزاء

الله هيأ من حظيرة قدسه

نزلا لذاتك لم يجزه علاء

والرسل دون العرش لم يؤذن لهم

حاشا لغيرك موعد ولقاء

ومن قوله في شجاعة النبي

صلى الله عليه وسلم :

الخيل تأبى غير أحمد حاميا

وبها إذا ذكر اسمه خيلاء

شيخ الفوارس يعلمون مكانه

إن هيجت آسادها الهيجاء

وإذا تصدى للظبى فمهند

أو للرماح فصعدة سمراء

ساقي الجريح ومطعم الأسرى ومن

أمنت سنابك خيله الأشلاء

إن الشجاعة في الرجال غلاظة

ما لم تزنها رأفة وسخاء

لله در شوقي في هذا الوصف الذي يليق بأن ينشد عنده:

وإن أحسن بيت أنت قائله

بيت يقال إذا أنشدته صدقا

نعم كان محمد - عليه الصلاة والسلام - أشجع الشجعان وأقدمهم إذا حمي الوطيس، وأثبتهم إذا دارت الدائرة على الصحابة؛ كما ظهر في يوم أحد وغيره، وكان مع صلابته هذه أرأف الناس وأرقهم قلبا وأنداهم محجرا، وكان إذا ظهر على عدوه يعرف أن يرق ويعفو، ولم تكن خيله لتدوس على المطروحين بالعراء من أعدائه، ثم يقول:

الحق عرض الله كل أبية

بين النفوس حمى له ووقاء

والحق والإيمان إن صبا على

برد ففيه كتيبة خرساء

ويقول عن الصحابة الكرام:

نسفوا بناء الشرك فهو خرائب

واستأصلوا الأصنام فهي هباء

يمشون تغضي الأرض منهم هيبة

وبهم حيال نعيمها إغضاء

حتى إذا فتحت لهم أطرافها

لم يطغهم ترف ولا نعماء

ثم يقول مخاطبا الرسول:

ما جئت بابك مادحا بل داعيا

ومن المديح تضرع ودعاء

أدعوك عن قوم الضعاف لأزمة

في مثلها يلقى عليك رجاء

أدرى رسول الله أن نفوسهم

ركبت هواها والقلوب هواء

متفككون فما تضم نفوسهم

ثقة ولا جمع القلوب صفاء

رقدوا وغرهم نعيم باطل

ونعيم قوم في القيود بلاء

أقطعتهم غرر البلاد فضيعوا

وغدوا وهم في أرضهم غرباء

ظلموا شريعتك التي نلنا بها

ما لم ينل في رومة الفقهاء

ما أصدق قوله: «وغدوا وهم في أرضهم غرباء.» إلا ما ندر.

ولشوقي غير هذه الهمزية في الرسول

صلى الله عليه وسلم

قصيدة معارضة للبردة الشريفة، رضي الله عن صاحبها، ولو استشارني شوقي في هذه المعارضة لنهيته عنها، وهل نظمه في هذه المعارضة للبردة أقل إبداعا من سائر نظمه؟ أو أنزل عن طبقته المعهودة؟

لا والله فنظمه نظمه نسج واحد، هو نسيج وحده في هذا العصر، ولكن يا سبحان الله متى قابلته بالبردة فقد رونقه ذاك وصرت تريد أن تطويه على غره وتتجاوزه إلى غيره، فما ألقى الله بردة الفصاحة على قصيدة نبوية كميمية صاحب البردة، هكذا كتب في اللوح وجف القلم وآثر الله الأبوصيري ببكارة البردة وأعجز كل فحل عن افتراع مثلها، فما كانت معارضة شوقي للبردة بالرأي الموفق، ولو كانت أبيات قصيدته كلها عامرة بالمحاسن ولنستشهد مع ذلك ببعض ما قاله فيها مثلا:

يا نفس دنياك تخفي كل مبكية

وإن بدا لك منها حسن مبتسم

فضي بتقواك فاها كلما ضحكت

كما يفض أذى الرقشاء بالثرم

مخطوبة منذ كان الناس خاطبة

جرح بآدم يبكي منه في الأدم

لا تحفلي بجناها أو جنايتها

الموت بالزهر مثل الموت بالفحم

هنا جاء شوقي بمعنى عصري، وهو أن الكربون يقتل في الزهر كما يقتل في الفحم ولم أجد لذلك طلاوة؛ لأن الشعر بعيد عن الكيمياء بعد الأرض عن السماء، ثم يقول:

يا ويلتاه لنفسي راعها ودهى

مسودة الصحف في مبيضة اللمم

ركضتها في صريع المعصيات وما

أخذت من حمية الطاعات للتخم

هامت على أثر اللذات تطلبها

والنفس إن يدعها داعي الصبا تهم

اجتهد بقدر إمكانه أن يقلد الأباصيري في نهجه، وأن يأتي بمثل ديباجته، وأن يقابل بيتا ببيت ويحذو قذة بقذة؛ فحام وما نزل ورمى وما قرطس إلا أنه لما وصل إلى المديح ارتقى عن ذي قبل وجاء بما من حقه أن تسمعه ولو كان من دون البردة:

لزمت باب أمير الأنبياء ومن

يمسك بمفتاح باب الله يغتنم

فكل فضل وإحسان وعارفة

ما بين مستلم منه وملتزم

علقت من مدحه حبلا أعز به

شوقي: صداقة أربعين سنة · الصفحة ٨٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شوقي: صداقة أربعين سنةص ٨٨