وما عذر المقصر عن جزاء
وما يجزيهمو إلا كلاما
فهل من مبلغ غليوم عني
مقالا مرضيا ذاك المقاما
رعاك الله من ملك همام
تعهد في الثرى ملكا هماما
أرى النسيان أظمأه فلما
وقفت بقبره كنت الغماما
تقرب عهده للناس حتى
تركت الجيل في التاريخ عاما
أتدري أي سلطان تحيي
وأي مملك تهدي السلاما
دعوت أجل أهل الأرض حربا
وأشرفهم إذا سكنوا سلاما
وقفت به تذكره ملوكا
تعود أن يلاقوه قياما
وكم جمعتهمو حرب فكانوا
حدائدها وكان هو الحساما
كلام للبرية داميات
وأنت اليوم من ضمد الكلاما
فلما قلت ما قد قلت عنه
وأسمعت الممالك والأناما
تساءلت البرية وهي كلمى
أحبا كان ذاك أم انتقاما؟
وأنت أجل أن تزري بميت
وأنت أبر أن تؤذي عظاما
فلو كان الدوام نصيب ملك
لنال بحد صارمه الدواما
وقد ترجمت من عهد غير بعيد هذه الأبيات لجلالة الإمبراطور غليوم الثاني، وذكرت له من شوقي في العالم العربي، وأنه كان أشعر شعرائنا، فارتاح جدا لهذه الأبيات وترحم على قائلها، وأما البيت الأخير فقد وقع بيني وبين شوقي توارد خواطر على معناه؛ لأني لما زرت مقام سيدنا خالد بن الوليد - رضي الله عنه - في حمص كتبت هذين البيتين على الجدار:
مغيبك سيف الله في غمدك الثرى
دليل بأن الله لا شك واحد
فلو أن فردا خلدته فتوحه
لما كان في الأقوام إلاك خالد
وتاريخ هذين البيتين أقدم من تاريخ أبيات شوقي.
ولو لم يكن لشوقي إلا ما قاله في هذه القصيدة عن الحرب الصليبية لكان ذلك كافيا له حتى يلقب بالشاعر الإسلامي وهي الصفة التي استمالت له قلوب المسلمين شرقا وغربا، فكيف وله في هذا الباب يتائم تقلد بها جيد الدهر، وقد ذكر منها الكاتب البليغ الأستاذ محب الدين الخطيب مطلع قصيدته في حرب الدولة العثمانية مع اليونان:
بسيفك يعلو الحق والحق أغلب
وينصر دين الله أيان تضرب
وما السيف إلا آية الملك في الورى
وما الأمر إلا للذي يتغلب
فأدب به القوم الطغاة فإنه
لنعم المربي للطغاة المؤدب
وقوله عند سقوط أدرنة:
يا أخت أندلس عليك سلام
هوت الخلافة عنك والإسلام
بكما أصيب المسلمون وفيكما
دفن اليراع وغيب الصمصام
وقوله يوم أسقط الكماليون في تركيا منصب الخلافة:
عادت أغاني العرس رجع نواح
ونعيت بين معالم الأفراح
ضجت عليك مآذن ومنابر
وبكت عليك ممالك ونواحي
يا للرجال لحرة موءودة
قتلت بغير جريرة وجناح
إن الذين أست جراحك حربهم
قتلتك سلمهمو بغير جراح
هتكوا بأيديهم ملاءة فخرهم
موشية بمواهب الفتاح
إن الغرور سقى الرئيس براحه
كيف احتيالك في صريع الراح
وذكر له ما قاله في الحج عندما دعاه الخديوي أن يكون معه وهو في الدرجة القصوى من التأثير لا يقرؤه قارئ إلا ويستعبر:
لك الدين يا رب الحجيج جمعتهم
لبيت طهور الساح والعرصات
دعاني إليك الصالح ابن محمد
فكان جوابي صالح الدعوات
وقدمت أعذاري وذلي وخشيتي
وجئت بضعفي شافعا وشكاتي
وفي راحتي ماض إذا ما هززته
تركت عدو الله في السكرات
أتيت به يا رب نورا وحكمة
ونزهته عن ريبة وأذاة
وتشهد ما آذيت نفسا ولم أضر
ولم أبغ في جهري ولا خطراتي
ولا غلبتني شقوة أو سعادة
على حكمة آتيتني وأناة
ولا جال إلا الخير بين سرائري
لدى سدة خيرية الرغبات
ولا بت إلا كابن مريم مشفقا
على حسدي مستغفرا لعداتي
ولا حملت نفس هوى لبلادها
كنفسي في فعلي وفي نفثاتي
وإني ولا من عليك بطاعة
أجل وأغلي في الفروض زكاتي
أبالغ فيها وهي عدل ورحمة
ويتركها النساك في الخلوات
وأنت ولي العفو فامح بناصع
من الصفح ما سودت من صفحاتي
ومن تضحك الدنيا إليه فيغترر
يمت كقتيل الغيد بالبسمات
ولعمري من عرف شوقي معرفة تامة واختلط به لم يجده مبالغا فيما ناجى به ربه، ولشوقي عدا هذا قصائد نبوية مشهورة منها هذه الهمزية:
ولد الهدى فالكائنات ضياء
وفم الزمان تبسم وثناء
الروح والملأ الملائك حوله
للدين والدنيا به بشراء
والعرش يزهو والحظيرة تزدهي