reinaud de chatillon
وكان هذا الأمير من أخبث أمراء الإفرنج خلقا وأسوئهم عهدا وأكثرهم نكاية بالمسلمين، ومرارا أراد صلاح الدين أن يصمد إليه في الكرك ويريح الإسلام منه فكان يستشفع لديه ويتعهد بإصلاح نفسه، وكان صلاح الدين - رحمه الله - يصفح عنه لما هو معروف به من سعة الصدر والميل إلى العفو، ولكن أرناط كان غدارا لا حيلة فيه.
وأخيرا قبض أرناط على قافلة من الحجاج قاصدة إلى الحجاز فألقى بهم في سجن قلعة الكرك ونهبهم وجردهم من كل ما معهم، وقال لهم: ادعوا محمدكم يخلصكم. ووصل خبر هذه الواقعة إلى صلاح الدين، وكان وقتئذ في الديار الجزرية يفتقد ملكه هناك، فأنحى الناس على السلطان صلاح الدين باللائمة، وقالوا له: إنك ما زلت تعفو عن هذا الرجل الذي لا يستحق العفو، فتأمل الآن ماذا صنع بعد عفوك. وكان صلاح الدين ذلك اليوم مريضا قد اشتدت به العلة، وما زالوا به حتى أقسم لهم بأنه إذا وقع أرناط في يده ليقتلنه بيده، فكان وقوع أرناط في يوم حطين مع ملك القدس وسائر أمراء الإفرنج، وجلس السلطان بعد انتهاء الواقعة وجلس أمامه الأمراء الإفرنج ومن شدة الحر جيء بماء مثلوج فشرب منه السلطان وأعوانه وشرب أمراء الصليبيين، ولما وصل الدور إلى أرناط قال السلطان للساقي: أنت سقيته أما أنا فلم أسقه. قال القاضي بهاء الدين بن شداد صاحب سيرة صلاح الدين المسماة بالمحاسن اليوسفية - وكان ملازما للسلطان يقيد كل ما يراه ويسمعه: إن صلاح الدين كان على جميل عادة العرب لا يجوز قتل من نزل وأكل من الزاد وشرب من الماء، فأراد أن يقول إن الساقي هو الذي سقى أرناط من نفسه.
ففهم الناس من هذا أن السلطان لا يريد أن يعفو هذه المرة عن برنس الكرك بعد أن نذر بقتله، ثم قام السلطان وانتهر أرناط وضربه بالسيف فرماه وأجهز عليه الأعوان وعندما رماه في الأرض قال له: أنا أقتص منك لمحمد. فأخذ ملك الإفرنج يرتجف ظنا بأن السلطان قاتله في تلك الساعة كما قتل أرناط، فقال له صلاح الدين: ليسكن روعك فإن الملوك لا يقتل بعضهم بعضا، وإنما نذرت قتل هذا الرجل لكثرة ما أفحش من النكاية بالمسلمين، وكل مرة كنت أصفح عنه وهو يعود إلى غدره، ثم إنه قذف علنا نبينا
صلى الله عليه وسلم ، فلهذه الأمور قد استثنيته من العفو.
ولقد أوردت هذه الحادثة في الأبيات الآتية:
عفوا به عمهم وأخرج من
بنكثه السهل ضاق والوعر
وفى بأرناط نذره بيد
إذ طالما لم تحك به النذر
وقال إذ تله بصارمه
ها أنذا للنبي أنتصر
أزوج تحت التهليل مهجته
مخضوبة صارما هو الذكر
فأصبح الملك وهو مرتجف
يملؤه بعد ما رأى الذعر
أبصر جسم البرنس منعفرا
فقال إثر البرنس أقتفر
فأفرخ الروع منه ساعة إذ
أبلغ أن لن يصيبه ضرر
ومنها في ذكر حب صلاح الدين للعفو وشدة تحرجه من سفك الدماء حتى عابه بعض المؤرخين، وقالوا: إنه بعفوه عن الإفرنج وتركه إياهم بعد حطين وبعد فتح القدس مكتفيا بتجريدهم من السلاح، قد جر على الإسلام مصيبة عظيمة؛ فإنهم ذهبوا إلى صور واعتصموا بها ولما توافر جمعهم زحفوا منها وقاتلوه أشد قتال:
إن عيب بالحلم والوفا رجل
فإنه خير ما هفا البشر
وقلت عن شدة تعظيم الإفرنج إلى الآن لقدر صلاح الدين بسبب هذه الأخلاق العالية:
وكان من حرمة العدو له
أن ذكره في بلادهم عطر
وذكرت زيارة الإمبراطور غليوم الثاني عاهل ألمانيا لضريح ص لاح الدين في دمشق وما أظهره من الخشوع في ذلك المقام:
تغدو عظام الملوك واقفة
ببابه وهو أعظم نخر
وينحني حاسرا بتربته
رأس بأعلى التيجان معتجر
وقد ذكر هذه الزيارة شوقي بعد وقوعها بقليل؛ أي سنة 1898، فقال تحت عنوان تحية غليوم الثاني لصلاح الدين في القبر:
عظيم الناس من يبكي العظاما
ويندبهم ولو كانوا عظاما
وأكرم من غمام عند محل
فتى يحيي بمدحته الكراما