تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وما زال هذا الأمر على هذه الصفة التي ليس لها مثال في التاريخ حتى ظهر عماد الدين زنكي وهو عامل من عمال السلاجقة، فكان أول واضع لأساس الوحدة السورية في وجه الصليبيين بعد أن أدب ملوك الطوائف من المسلمين، وتلاه ابنه نور الدين العادل الشهير الذي وطد تلك الوحدة فتمكن من الإيقاع بالصليبيين، وأراهم أن في السويداء رجالا، ثم تلاه صلاح الدين يوسف فكان ما كان مما لا يحتاج إلى بيان.

وقد حذف شوقي هذا القسم المؤلم المخجل المدمي للقلوب من تاريخ الإسلام في قصيدته هذه وطوى هاتيك الحقبة التاعسة التي وصمت الإسلام بالعار وأدهشت الإفرنج أنفسهم مما رأوا من تخاذل المسلمين، وجاء رأسا ينوه بعزائم صلاح الدين ورهطه التي بدلت الأرض غير الأرض ورأى فيها الإفرنج من الإسلام غير الإسلام الذي عرفوه من قبل.

ولراقم هذه السطور قصيدة في صلاح الدين هي من شعر الملاحم نظمتها؛ إذ أنا في طبرية سنة 1902 ومطلعها:

أحسن ما فيه يسرح النظر

واد بحيث الأردن ينفجر

وقد كانت مجلة المقتطف نشرتها في حينها ثم أعادت جريدة الفتح نشرها في العام الماضي، وهي ستظهر في ديواني الذي هو الآن تحت الطبع؛ فلذلك لا أجد داعيا لإعادتها هنا برمتها ولكني أذكر منها بعض أبيات:

أسس عيسى هنا شريعته

وقوم موسى توراتهم فسروا

وفي حروب الصليب قد رفعت

رايات دين الذي نمت مضر

وقبل أن دخلت في تاريخ صلاح الدين وجدت فرضا ذكر المقدمة التي مهدت له طريق الوحدة الإسلامية بإزاء الإفرنج بدلا من تلك الفوضى وهي دولة آل زنكي عماد الدين بن آق سنقر، ثم ولده نور الدين العادل المشهور بالعدل والزهد وحب الجهاد فقلت فيه:

فاتحة النصر في ولاية نور الد

ين ملك بالعدل يأتزر

تقر عين النبي سيرته

ويرتضي مثل هديه عمر

مجاهد ماهد بغرته

زال البلا واستحالت الغير

ثم ذكرت تربية نور الدين لصلاح الدين، وكيف أصلح صلاح الدين يوسف أحوال المملكة المصرية، فقلت:

أصلح شعث الأمور فانقلبت

بيوسف مصر وهي تفتخر

وأما يوم حطين فقلت فيه:

يا يوم حطين كم حططت من ال

إفرنج شأنا ما كان ينكسر

عدوا على الشرق بالجيوش فلم

يعص عليه بدو ولا حضر

وكل جيش أراد صدهمو

عادوا به وهو للقنا جزر

ومنها في وصف الواقعة:

الشرق والغرب بعد طول وغى

تبارزا والبراز مختصر

ثلاثة والنزال بينهما

نزال من بعد يومه العصر

فمن هنا آل أحمد دلف

والذكر يتلى في الصف والسور

ومن هنا معشر المسيح مشى

والصلبوت الشهير والصور

كأنما قومنا وقد وثبوا

زعازع للغصون تهتصر

كأنما قومنا وقد ثبتوا

شم حصون لها القنا جدر

كم من بغى طيره بأجنحة

إذ قصرت عن ضميره الضمر

ذاق العدى من سلاف طعنهم

خمرا بغير العنقود تعتصر

ثم ذكرت كيف دارت الدائرة عليهم وفر منهم كونت طرابلس مع خيله، ووقع جيشهم كله في الأسر:

لما رأوا الأمر غير ما حسبوا

والناس من فوق صبرهم صبروا

ولوا ظبى يوسف ظهورهمو

تأخذ منها فوق الذي تذر

وأدبر القمص مع فوارسه

ما غره مثل غيره الغرر

والهيكليون مع قساورهم

لم يبق إلا هياكل دثر

لم يجبنوا ساعة وإن فشلوا

وإنما الليث دونه النمر

أوثق بالأسر كل جيشهم

وأصبح الملك ضمن من أسروا

قاصمة الظهر للفرنج غدت

وقعة قرني حطين مذ ظهروا

بها جدود الإسلام قد صعدت

من بعد ما كان أهله عثروا

حظ ابن أيوب أن يفوز بها

والله في خلقه له أثر

وحظ قوم بغوا الجهاد فلم

يشغلهمو عن جهادهم وطر

ومنها في كيفية استحياء صلاح الدين للإفرنج بعد أن صاروا جميعا في قبضة يده قيل كان عددهم ذلك اليوم ثلاثين ألف مقاتل وقيل خمسين ألفا:

أبى عليه الإباء مصرعهم

وعفوه والخلائق الزهر

أراد أن يشهدوا بأعينهم

عفة أهل الإسلام إذ قدروا

إن ذويه الأعلون فضلهمو

في الحرب والسلم ليس ينحصر

وإنه في السلام غالبهم

وغالب والحروب تستعر

عومل بالأسر موقن بردى

وجل ملكا مع العمى العور

ومنها في كيفية قتله للبرنس أرناط أمير الكرك وهو من أمراء فرنسا، يقال له

شوقي: صداقة أربعين سنة · الصفحة ٨٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شوقي: صداقة أربعين سنةص ٨٤