تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكل هذا لم يكن كافيا في نظر المسلمين مدة تسعين سنة أن يتحدوا في وجه العدو، وأن يتركوا الشقاق والعداء فيما بينهم، ويتخلصوا من هذه المجازر المستمرة التي كان الإفرنج يرتكبونها فيهم ويفتنونهم - لا في كل عام بل في كل يوم - مرة أو مرتين وهم لا يدكرون، بل كانوا يمدون أيديهم لمعاهدة الإفرنج، وقد يجتمعون معهم على إخوانهم وجيرانهم ويكون الإفرنج قد قفلوا من بلدة للمسلمين فتحوها واستأصلوا جميع من فيها فيأتي إليهم أمير من أمراء المسلمين وهم غائصون في دماء المسلمين يعاهدهم ويمشي معهم على أمير آخر من قومه كأنه لم يفعل شيئا.

ولما فتح الصليبيون أنطاكية وذبحوا تلك الألوف المؤلفة من مسلمي أنطاكية وما يجاورها كانت الدولة الفاطمية ترسل وفدا من القاهرة لتهنئة الصليبيين بهذا الفتح العظيم وتعرض عليهم الحلف، وكان الصليبيون قد ظفروا بالمسلمين في إحدى الوقائع يوم كان الوفد الفاطمي ضيوفا عندهم، فأرسل أمراء الصليبيين إلى الوفد الفاطمي ثلاثمائة رأس من رءوس قتلى المسلمين ينفحون الوفد بها ويكرمونه بمشاهدتها، كما لو قدموا لهم شيئا من الفاكهة مثلا، وكان الفاطميون يظهرون سرورهم بذلك الفوز الصليبي، وكان الأمراء بنو عمار أصحاب طرابلس ينصحون الخدمة للصليبيين ولولاهم لانكسر بودوين الأول عندما كان في شمالي سورية، ومن أمثال هذه النوادر أشياء لا تدخل تحت الإحصاء قد استقصيتها كلها من كتب العرب وكتب الإفرنج معا ومحصتها تمحيصا لا يدع مكانا لعارض شك ينقدح في صحتها.

ولم تكن هذه الحوادث عبارة عن فلتات جاءت على خلاف القياس أو وقعت في الأحايين من غير انتباه، بل استمرت هذه الفوضى الإسلامية بشكل لا يمكن عقل عاقل أن يدرك مداه مدة ستين إلى سبعين سنة، وما كفى تمزيق المسلمين بعضهم لبعض حتى نجمت منهم فرقة الإسماعيلية الحشاشين وتمالئوا مع الإفرنج، وصار هؤلاء كلما خشوا عادية أمير مسلم يرون فيه خطرا عليهم أو يبدو لهم منه أنه يسعى في جمع شمل الإسلام رموه بهؤلاء الحشاشين فذهب هؤلاء واغتالوه، وقد يكونون في هذه المؤامرة في اتفاق مع أناس من ملوك المسلمين؛ وذلك كما اغتيل مودود قائد الجيش السلجوقي الذي جاء لاستنقاذ مسلمي سورية فخاف طغطكين أمير دمشق من مغبة الأمر، وأرسل من اغتاله في الجامع الأموي وهو يصلي، وكان ذلك بتواطؤ بين طغطكين والصليبيين، وكما اغتيل برسق صاحب حلب والموصل وهو يصلي في جامع الموصل وكان من كبار المجاهدين. وكثيرا ما جاءت جيوش جرارة من آل سلجوق مجتمعة من فارس والعراق والجزيرة؛ لأجل استخلاص سورية من أيدي الإفرنج فلم تكن تصل هذه الجيوش إلى سورية حتى تجد كثيرا من أمراء المسلمين في سورية قد انحازوا إلى الإفرنج ووقفوا صفا واحدا معهم في وجه تلك الجيوش الآتية لاستنقاذهم وقاتلوها أشد قتال، ثم ترجع هذه الجيوش إلى بلادها وتترك المسلمين في سورية بإزاء الإفرنج فيعود الإفرنج ويكرون على المسلمين وينقضون العهد الذي كانوا عاهدوهم إياه ويذبحون الرجال والنساء والأطفال ثم لا تجد المسلمين يتوبون ولا يذكرون، ولا تجد مع ذلك أمراء الإسلام في سورية مستفيدين أي عبرة من نكث الإفرنج المتكرر، ولا متناهين عن غيهم وغرامهم بالشقاق وقتال بعضهم بعضا.

وإني لأجد هذا الشقاق في كل أمة، ولا يخلو منه مكان وقد وقع بين الصليبيين أنفسهم، ولكن إن كان الشقاق عاما فلا شك في أن تسعة أعشاره هي عند المسلمين والعشر الواحد عند سائر الأمم بأجمعها، وإن فسح لي الوقت لأكتبن كتابا وأسميه «الفوضى الإسلامية وما جنته على المسلمين، والوحدة الإسلامية وما جنته للمسلمين» وحسبك أن الصليبيين بعد فتحهم للقدس رجع أكثر المقاتلة منهم إلى بلادهم، قيل إنه رجع منهم عشرون ألف مقاتل فلم يبق في القدس إلا عدة مئات لا غير؛ أي كان بيت المقدس بقي بلا حامية وكانوا أوانئذ لو جمعوا جميع جند الصليبيين في سورية لما زادوا على أربعة أو خمسة آلاف، وهم مع ذلك أشتات في كل بلدة منهم شرذمة يسيرة، ومع هذا فإن فوضى المسلمين قد كلفت للصليبيين البقاء والاطمئنان ولم تحدثهم أنفسهم بأن يتحدوا على هذه الشراذم المشتتة ويخلصوا بلادهم من العبودية لها.

شوقي: صداقة أربعين سنة · الصفحة ٨٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شوقي: صداقة أربعين سنةص ٨٣