تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ثم إن شوقي يشير كيف جاء الصليبيون بنفوس ملأى بالأماني، وصدور مفعمة بالأحقاد يريدون أن يقضوا على الإسلام ويخنقوا كل من دان به، وأن يهدموا الحق وأن يدمروا من جاء بالحق.

وقال: إنهم لما هاجموا بلاد الإسلام تلقتهم من المسلمين عزائم صادقة نهض بها الدين فنثرت جموعهم على كل أرض، وأسرت في بعض هذه الحروب لويس التاسع ملك فرنسا الذي يقال له القديس لويس، وانقطع أمل قومه منه، ولكنه فدى نفسه بالمال بعد مدة من أسره، ولو كان المسلمون خافوا عاقبة إطلاقه ما قبلوا منه الفدية، ولكنهم كانوا أوثق بأنفسهم وأعظم اتكالا على الله من أن يخافوا عاقبة تسريح ملك من ملوك أوروبا.

قال: وكان هكذا المسلمون من العز والمنعة، وعطف على قوله: «المسلمون» بقوله: «والعرب الخالون» من باب التخصيص على حد

حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى

وأنهم لم يكونوا كما يصورهم الإفرنج للناس، وأننا بهم سدنا في العالم زمنا طويلا، وورثنا ما ورثناه من تاريخ مجيد، وقال: إذا استوى عند أمة الموت والحياة فلا حيلة فيها للعدو، وهو من قبيل:

تأخرت أستبقي الحياة فلم أجد

لنفسي حياة مثل أن أتقدما

ولا بد لي هنا من الوقوف بعض الشيء، بل من الاعتراض على شوقي - رحمه الله - فقد قصر المسافة بين زحف الصليبيين وبين تلقي المسلمين لهم بعزائم الصدق، والحال أن بين العهدين حقبة يصح أن تسمى دهرا؛ وذلك أن أول وقعة أصلتها الجموع الصليبية الجيش الإسلامي كانت واقعة نيقية في الأناضول التي وقعت بين الصليبيين والترك، وفاز بها الصليبيون واسترجعوا نيقية وتاريخها 26 يونيو سنة 1097، ومنذ ذاك اليوم إلى واقعة «حطين» التي قضت على دول الصليبيين في الشرق تسعون سنة كان فيها الصليبيون يسرحون ويمرحون في ظل فوضى الإسلام ومشاقة بنيه بعضهم لبعض، فإنه ما رأى الراءون ولا روى الراوون ولا يمكن أن يتصور العقل مهما كان واسعا ولا الخيال مهما كان خصبا درجة الفوضى التي كانت عليها الدول الإسلامية وقتما زحف الصليبيون إلى الشرق، ففي كل بلدة أمير ثائر على سلطانه، وفي كل قصبة شيخ ثائر على أميره، وفي كل قطر دولة تناوئ أختها، وفي كل مملكة وزراء يمدون أيديهم في الخفاء إلى أعداء دولتهم، والفاطميون في مصر حرب على العباسيين في بغداد والسلاجقة حرب بعضهم على بعض بين فرع ألب أرسلان أصحاب فارس وفرع قطولش أصحاب قونية والأناضول وجميع السلاجقة أعداء للدانشمنديين أصحاب شرقي الأناضول. وهذا كله سهل لا يعد شيئا بالقياس إلى فوضى سورية التي كان كل من فيها تقريبا يريد أن يكون مستقلا.

فالشام في يد دقاق السلجوقي، وحلب في يد رضوان أخيه، وهما يقتتلان برغم أنهما أخوان، وحماة في يد أمير، وحمص في يد أمير آخر، وطرابلس لها أمراء، وفلسطين يتقاسمها الفاطميون والسلاجقة، ولا يقيم العامل في عمله أكثر من أشهر معدودة حتى يثور على دولته طمعا في الاستقلال. ولا يوجد قائد حصن إلا وهو يأبى أن تكون فوق يده يد، وقد جاء الصليبيون فارتكبوا من الذبح والفتك والقتل العام وحصد الرءوس بلا استثناء واستئصال الأهالي المسالمين كالمحاربين وإتلاف النساء والأطفال والشيوخ والأسرى والتجاوز على الأعراض وإنزال المعرات ببيوت الصون والستر ما لا رأت عين ولا سمعت أذن ولا خطر على بال، وأسالوا من الدماء في أنطاكية ومعرة النعمان وحارم وتل باشر وعزاز والرها وسروج وشيزر وحماة واللاذقية وطرابلس وبيروت ويافا وعسقلان وعكا ما لا تصف هوله الألفاظ ولا تبلغ كنهه العبارات. والطامة الكبرى في القدس؛ حيث تعترف تواريخهم نفسها بأن الخيل غاصت في الدماء إلى صدورها، وتواريخ العرب تقول إن الذين ذبحهم الصليبيون في المسجد الأقصى كانوا سبعين ألفا بينهم النساء والأطفال.

شوقي: صداقة أربعين سنة · الصفحة ٨٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شوقي: صداقة أربعين سنةص ٨٢