تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولم يكن عجبا أن أبناء الصحراء يفوقون أبناء الظل والماء ويبتزون منهم ممالكهم، فطالما كانت الصحارى مواطن الآساد، فما ثارت هذه الآساد من بادية العرب حتى رأينا الأقطار تنتظم في ملكهم من الصين شرقا إلى المغرب والأندلس غربا، ثم قال:

من كعمرو البلاد والضاد مما

شاد فيها والملة الغراء

شاد للمسلمين ركنا جساما

ضافي الظل دأبه الإيواء

طالما قامت الخلافة فيه

فاطمأنت وقامت الخلفاء

فابك عمرا إن كنت منصف عمرو

إن عمرا لنير وضاء

جاد للمسلمين بالنيل والني

ل لمن يقتنيه أفريقاء

فهي تعلو شأنا إذا حرر الني

ل وفي رقه لها إزراء

لم يكن لشوقي بد من ذكر عمرو بن العاص - رضي الله عنه - وهو فاتح وادي النيل للإسلام وممتعه بتلك النعم الجسام. قال شوقي: إن العروبة والإسلام كانا في مصر من غرس يدي عمرو، وإنه جعل من مصر ركنا للملة الإسلامية تأوي إليه وتدر خيراتها عليه، فإذا مست المجاعة أهل المدينة - دار الخلافة وقتئذ - أغاثها عمرو بالأرزاق المتصلة من وادي النيل، قال: ففضل عمرو على الإسلام لا حد له؛ لأنه ملك المسلمين النيل والنيل هو إفريقيا، وكفى بذلك وصفا لعظمة العمل الذي قام به عمرو بن العاص.

ويظهر أن شوقي استطال تاريخ مصر في الإسلام فلم يشأ أن يعرج منه إلا بالحادثات الكبر وطوى دور الأمويين في مصر ودور بني العباس، فلم يقل شيئا عن آل طولون ولم يعرج على الفاطميين، مع أنه كانت لهم دولة زاهرة لمعت ردحا من الدهر، ولعله تجانف عن ذكرهم بحيدهم عن طريق السنة والجماعة. وبالجملة فقد قفز شوقي من زمن عمرو بن العاص طفرة واحدة إلى زمن صلاح الدين الأيوبي، فقال:

واذكر الغر آل أيوب وامدح

فمن المدح للرجال جزاء

هم حماة الإسلام والنفر البي

ض الملوك الأعزة الصلحاء

كل يوم بالصالحية حصن

وببلبيس قلعة شماء

وبمصر للعلم دار وللضي

فان نار عظيمة حمراء

ولأعداء آل أيوب قتل

ولأسراهم قرى وثواء

يعرف الدين من صلاح ويدري

من هو المسجدان والإسراء

إنه حصنه الذي كان حصنا

وحماه الذي به الاحتماء

أشار إلى ما كان عليه بنو أيوب من الحمية وعزة النفس الإسلامية والصلاح والجهاد، وأنهم كانوا يبنون الحصون ويشيدون دور العلم، ويقرون الضيوف ويوقدون نار الوغى للأعداء ونار القرى للقصاد، ويكرمون أسراهم شأن الأبطال الكرماء، وأن الدين الإسلامي يعرف مقام صلاح الدين من حمايته، وأن الحرم الثلاثة تعرف خدمته العظيمة. أشار بقوله المسجدان إلى مكة والمدينة وبقوله الإسراء إلى القدس الشريف، وقال إنه كان حصنا للقدس وحمى لذلك الحمى، ثم أتي على ذكر الحرب الصليبية لأنها من الملاحم الكبرى فقال:

يوم سار الصليب والحاملوه

ومشى الغرب قومه والنساء

بنفوس تجول فيها الأماني

وقلوب تثور فيها الدماء

يضمرون الدمار للحق والنا

س ودين الذين بالحق جاءوا

ويهدون بالتلاوة والصل

بان ما شاد بالقنا البناء

فتلقتهم عزائم صدق

نص للدين بينهن خباء

مزقت جمعهم على كل أرض

مثلما مزق الظلام الضياء

وسبت أمرد الملوك فردت

ه وما فيه للرعايا رجاء

ولو ان المليك هيب أذاه

لم يخلصه من أذاها الفداء

هكذا المسلمون والعرب الخا

لون لا ما تقوله الأعداء

فبهم في الزمان نلنا الليالي

وبهم في الورى لنا أنباء

ليس للذل حيلة في نفوس

يستوي الموت عندها والبقاء

من أحسن مزايا شوقي رسوخه في اللغة؛ فهو يقول: «قومه والنساء» وذلك لأن القوم هم جماعة الرجال خاصة؛ لأنهم يقومون بعظائم الأمور.

وقد قابل القوم بالنساء كأنه يقول : ومشى الغرب رجاله والنساء وقد كانوا في حرب الصليب جاءوا بالفعل رجالا ونساء.

أما النساء فمنهن من كن قد جئن مع أزواجهن، ومنهن من كن قد استجلبن للرفث، وكان هذا الجيش من النساء كثيرا في جيش الإفرنج، وقد وصفهن العماد الأصفهاني الكاتب في الفتح القدسي بأسجاعه المعهودة وجناساته المعروفة وصفا يلذ المجان، ولكنه ينبئ بحقيقة تاريخية تدل على أن هذا الأمر قديم العهد في جيوش الإفرنج.

شوقي: صداقة أربعين سنة · الصفحة ٨١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شوقي: صداقة أربعين سنةص ٨١