تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ثم قال:

قوة الله إن تولت ضعيفا

تعبت في مراسه الأقوياء

أشرف المرسلين آيته النط

ق مبينا وقومه الفصحاء

لم يفه بالنوابغ الغر حتى

سبق الخلق نحوه البلغاء

وأتته العقول منقادة اللب

ولبى الأعوان والنصراء

جاء للناس والسرائر فوضى

لم يؤلف شتاتهن لواء

وحمى الله مستباح وشرع الله

والحق والصواب وراء

فلجبريل جيئة ورواح

وهبوط إلى الثرى وارتقاء

يحسب الأفق في جناحيه نورا

سكنته النجوم والجوزاء

تلك آي الفرقان أرسلها الله

ضياء يهدي بها من يشاء

نسخت سنة النبيين والرس

ل كما ينسخ الضياء الضياء

وحماها غر كرام أشدا

ء على الخصم بينهم رحماء

قال: إن الله إذا تولى ضعيفا لم تقدر على مقاومته الأقوياء، ومن ينصره الله فلا غالب له، وهو يشير إلى قوله تعالى:

ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين

وقال: إن محمدا هو أشرف المرسلين، وإن الله بعث كل رسول بآية، وإن آية محمد - عليه السلام - كانت النطق المبين؛ لأنه بعث في قوم فصحاء، لسانهم أفصح الألسنة، وقرائحهم أصفى القرائح، فهم أقرب أن يتأثروا بالفصاحة من كل قبيل؛ ولذلك لم يفه الرسول بتلك الكلمات النوابغ حتى أقبل البلغاء عليه قبل غيرهم وانقادوا له، وقد كان الناس أوانئذ في شقاق بعيد وفي ارتكاب محارم؛ يئدون بناتهم ولا يعلمون حلالا ولا حراما، وكان يتسلط قويهم على ضعيفهم ويجعلون الحق دبر آذانهم؛ فنزل جبريل على محمد

صلى الله عليه وسلم

بالشريعة التي ألفت بين قلوبهم وجعلتهم إخوانا وطهرت خلائقهم من تلك الآثام التي كانوا منغمسين فيها، ونقلتهم من عبادة الأوثان إلى عبادة الرحمن، وذلك كله بآيات القرآن الذي نسخ ما قبله لا نسخ ضياء لظلام بل نسخ ضياء لضياء؛ لأن شريعة موسى كانت حقا فجاءت شريعة عيسى فأكملتها ولأن شريعة عيسى كانت حقا فطرأت عليها طوارئ فجاءت شريعة محمد فقومتها وأعادتها إلى أصلها.

قال: وقد تولى حماية هذه الشريعة الجديدة صحابة للرسول كرام

أشداء على الكفار رحماء بينهم

ثم قال:

أمة ينتهي البيان إليها

وتئول العلوم والعلماء

كلما حثت الركاب لأرض

جاور الرشد أهلها والذكاء

وعلا الحق بينهم وسما الفض

ل ونالت حقوقها الضعفاء

تحمل النجم والوسيلة والمي

زان من دينها إلى من تشاء

وتنيل الوجود منه نظاما

هو طيب الوجود وهو الدواء

يرجع الناس والعصور إلى ما

سن والجاحدون والأعداء

فيه ما تشتهي العزائم إن هم

ذووها وتشتهي الأذكياء

فلمن حاول النعيم نعيم

ولمن آثر الشقاء شقاء

أيرى العجم من بني الظل والما

ء عجيبا أن تنجب البيداء

وتثير الخيام آساد هيجا

ء تراها آسادها الهيجاء

ما أنافت على السواعد حتى ال

أرض طرا في أسرها والفضاء

تشهد الصين والبحار وبغدا

د ومصر والغرب والحمراء

يقول: إن الأمة العربية أمة ينتهي إليها البيان، وتجد فيها العلوم صدورا منشرحة فهي تقبل عليها بطبيعتها، وتقيم وزنا للعلماء حيث كانوا، فكانت كلما استولت على قطر اهتز العلم فيها وربا، ونشأ فيه العلماء الفحول، وعلت راية الحق، ونال كل إنسان ما يستحقه بعمله واضمحلت الطبقات، وارتفعت الفروق، وعلم الناس أنهم شرع في نظر الشرع، وأن أكرمهم عند الله أتقاهم، وأن الملك والسوقة سواء، وأن جبلة الأيهم إذا لطم الأعرابي يقاد منه في الحال، وأن الحد الشرعي يقام على الجميع من دون مراعاة وعلى ابن الخليفة، وأن الرسول يهتف قائلا: «لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لأمرت بقطع يدها.» وأن عمر يقول: «والله لئن جاءت الأعاجم بالأعمال وجئنا بغير عمل فهم أولى بمحمد منا يوم القيامة، فلا ينظر رجل إلى القرابة، وليعمل لما عند الله، فإن من قصر به عمله لا يسرع به نسبه.» وأن الرسول كان يقيد من نفسه، وأن عمر كان يقيد من نفسه، وأن عليا كان يساوي اليهودي في القضاء؛ فكانوا يصدعون لمبادئ القرآن ويطبقونها على الكبير والصغير، وصادف أن الدولة الفارسية والدولة الرومانية كانتا قد أسرع إليهما الفساد وضاعت فيهما الحقوق وعلا القوي فوق الضعيف ، فما ظهر الإسلام حتى انهارت الأولى لديه انهيارا تاما وتقلصت الثانية أمامه تقلصا أورث الإسلام ثلثي ممالكها، فالعرب حملوا العدل الذي في دينهم إلى الأمم التي استولوا عليها، وأثاروا فيها حب العمران والسعي في مناكب الأرض، وصار هذا الدين نظاما للوجود يرجع الناس إليه في أمور الدنيا والعقبى، ولم يكن بدين آخرة فحسب، بل كان ناظما للدنيا والأخرى معا؛ أحل الله فيه الطيبات ويسر ما تشتهي نفوس الأذكياء، وإنما حرم الإسراف والخيلاء والإثم والاعتداء والمشي في الأرض مرحا، فهو دين بر بمن بره، صارم على من عقه، ثم قال:

شوقي: صداقة أربعين سنة · الصفحة ٨٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شوقي: صداقة أربعين سنةص ٨٠