فالثرى مائج بها وضاء
لا وعيد لا صولة لا انتقام
لا حسام لا غزوة لا دماء
ملك جاور التراب فلما
مل نابت عن التراب السماء
وأطاعته في الإله شيوخ
خشع خضع له ضعفاء
أذعن الناس والملوك إلى ما
رسموا والعقول والعقلاء
فلهم وقفة على كل أرض
وعلى كل شاطئ إرساء
دخلوا ثيبة فأحسن لقيا
هم رجال بثيبة حكماء
فهموا السر حين ذاقوا وسهل
أن ينال الحقائق الفهماء
فإذا الهيكل المقدس دير
وإذا الدير رونق وبهاء
وإذا ثيبة لعيسى ومنفي
س ونيل الثراء والبطحاء
إنما الأرض والفضاء لربي
وملوك الحقيقة الأنبياء
لهم الحب خالصا من رعايا
هم وكل الهوى لهم والولاء
إنما ينكر الديانات قوم
هم بما ينكرونه أشقياء
بعد أن ذكر مجيء موسى بالشريعة الإلهية جاء الدور إلى عيسى فقال إنه بمولده ولد الرفق والحياء والمروءة وانتشر النور في الأرض، وكانت شريعة ليس فيها شيء غير اللين والعطف واللطف وتحمل الأذى وحب الأعداء والعفو عن الذنب وعدم مقابلة الشر بالشر، وقد عاش عيسى - عليه السلام - ما عاش إلى أن رفعه ربه إلى السماء، فناب عنه في الأرض الحواريون وهم قوم ضعفاء مساكين صيادو سمك أطاعوه فصاروا بطاعتهم له سادة الأرض، وخضعت لهم الملوك والقياصرة فضربوا في البلاد وقطعوا البحار ونزلوا بكل شاطئ، وجاء أحدهم «مرقص» فدخل ثيبة إحدى عواصم مصر فتلقاه أهلها وكانوا حكماء فذاقوا الكلام الذي جاء به مرقص واتبعوا ذلك النور الذي معه، وليس بعجب أن يفهم الحكمة الحكماء فردوا هياكلهم كنائس وصارت مصر لعيسى، وحقيقة الأمر أن ملوك العالم هم الأنبياء فالناس تطيعهم من دون الملوك؛ لأن طاعة الأنبياء تخالط القلب وطاعة الملوك لا تخالط إلا الجسم، والأنبياء لهم الباطن والملوك لهم الظاهر، وما أنكر الأديان قوم إلا شقوا بما أنكروه، ثم قال:
هرمت دولة القياصر والدو
لات كالناس داؤهن الفناء
ليس تغني عنها البلاد ولا ما
ل الأقاليم إن أتاها النداء
نال روما ما نال من قبل آثي
نا وسيمته ثيبة العصماء
سنة الله في الممالك من قب
ل ومن بعد ما لنعمى بقاء
أراد شوقي هنا أن يذكر هرم الدولة الرومانية وأن الدول تهرم كما يهرم الرجال حسبما قال ابن خلدون، وأنها لا يغني عنها كثرة الملك والمال إذا أتاها أمر ربها
فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون ، فرومة نالها ما نال من قبلها آثينا عاصمة يونان وثيبة عاصمة مصر، ولم تكن دولة تبقى إلى الأبد، ولما هرمت الدولة الرومانية انتشرت في نواحيها الضلالة ففتك بها الجهل، وتشعبت المذاهب، وأخذ الناس يقتتلون على العقائد، وعادوا إلى مثل الوثنية الأولى، وقطعوا ما أمر الله به أن يوصل، فرأى الله أن لا بد من القوة لإقامتهم على الحق، وأنه لا بأس بالسيف إذا لم ينجع الوعظ ولم تغن النذر، وقد يقطع الطبيب عضوا من الجسم لسلامة سائر الأعضاء، فقال شوقي وقد جعل هذه الحالة توطئة لظهور محمد عليه الصلاة والسلام:
وتولى على النفوس هوى الأو
ثان حتى انتهت له الأهواء
فرأى الله أن تطهر بالسي
ف وأن تغسل الخطايا الدماء
وكذاك النفوس وهي مراض
بعض أعضائها لبعض فداء
لم يعاد الله العبيد ولكن
شقيت بالغباوة الأغبياء
وإذا جلت الذنوب وهالت
فمن العدل أن يهول الجزاء
أشرق النور في العوالم لما
بشرتها بأحمد الأنبياء
باليتيم الأمي والبشر المو
حى إليه العلوم والأسماء
فهو يقول: إن الله لا يريد لعباده إلا الخير ولكن بعض عباده أصروا على المعاصي ومردوا على النفاق. وإذا كانت الذنوب عظيمة وأعظمها هو الشرك فمن العدل أن تقمع بالسيف؛ إذ لا حيلة فيمن كانت قلوبهم غلفا وآذانهم صما؛ ولذلك أرسل الله الرسول العربي اليتيم الأمي الذي أنزل عليه الفرقان فمحا الشرك وشدخ يافوخ الكفر، وقد كنت أحب أن يستعمل شوقي محل قوله: فمن العدل أن يهول الجزاء، قوله: فمن العدل أن يجل الجزاء؛ لأن جزاء تلك الذنوب التي عددها لم يكن قاسيا هائلا بالنسبة إليها. وكان ينبغي لشوقي أن يذكر مبدأ الرسالة المحمدية بالنصح، والقول الحسن، ودعوة الناس إلى الحق مدة مديدة من الزمن ليس فيها بأس ولا شدة ولا شيء يختلف عن دعوة عيسى لقومه، إلى أن أصر المشركون على عنادهم وحاولوا قتل الرسول الأمين لأجل بلاغه المبين، فهاجر إلى قوم نصروه وآزروه حتى لا تموت الدعوة ولا تذهب الحقيقة ضحية أهواء ذوي السلطة وأنصار الضلالة، فلم يقع الجزاء إلا بعد أن انقطع الرجاء وما كان إلا جزاء وفاقا.