تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ضيعت قيصر البرية أنثى

يا لربي مما تجر النساء

فتنت منه كهف روما المرجى

والحسام الذي به الاتقاء

فأتاها من ليس تملكه أن

ثى ولا تسترقه هيفاء

أشار كيف لعبت كليوباترة بقلب قيصر، ثم بقلب أنطونيوس حتى جاءها أوكتافيوس الذي لم يؤثر فيه جمالها، فغلب عليها وانتحرت بأن وضعت حية على صدرها وهو ما أشار إليه بقوله:

سلبتها الحياة فاعجب لرقطا

ء أراحت منها الورى رقطاء

ثم جاء هنا بالمقطع الذي هو بيت القصيد، والذي لم أزل أبحث في شعر المعاصرين فلا أجد ما يدانيه، ولو كان شوقي لم يقل غيره لكان كافيا لمجده وأجره، ولجزاه دنيا وآخرة، تأمل في هذا المفصل المدهش في جلالة معناه وجزالة مبناه، قال:

رب شقت العباد أزمان لا كت

ب بها يهتدى ولا أنبياء

ذهبوا في الهوى مذاهب شتى

جمعتها الحقيقة الزهراء

فإذا لقبوا قويا إلها

فله بالقوى إليك انتهاء

وإذا آثروا جمالا بتنزي

ه فإن الجمال منك حباء

وإذا أنشئوا التماثيل غرا

فإليك الرموز والإيماء

وإذا قدروا الكواكب أربا

با فمنك السنا ومنك السناء

وإذا ألهوا النبات فمن آ

ثار نعماك حسنه والنماء

وإذا يمموا الجبال سجودا

فالمراد الجلالة الشماء

وإذا تعبد الملوك فإن ال

ملك فضل تحبو به من تشاء

وإذا تعبد البحار مع الأس

ماك والعاصفات والأنواء

وسباع السماء والأرض والأر

حام والأمهات والآباء

لعلاك المذكرات عبيد

خضع والمؤنثات إماء

أراد شوقي أن يسرد تاريخ ديانات أهل مصر، فقال: إنهم قبل أن تنزل الكتب السماوية كالتوراة والإنجيل والقرآن تحيروا في العبادة وذهبوا مذاهب شتى يجمعها حقيقة واحدة هي الاعتقاد بالله، ولكنهم نشدوه من طرق مختلفة؛ فهذا يعبد القوي وذاك يعبد الجميل وذلك ينحت التماثيل، ومنهم من عبدوا الكواكب، ومنهم من قدسوا الأشجار، ومنهم من انحنوا للجبال، ومنهم من ألهوا الملوك، ومنهم من سجدوا للبحار والأسماك والعواصف والطير والوحش وغير ذلك، وكل المراد المقصود المنشود هو الحقيقة الإلهية. كأنما شوقي يعتذر عن تنوع عباداتهم هذه وتسفل بعضها حتى صارت إلى الحيوانات بجهل الناس هناك الطريق القويم لعدم وجود الدليل، فكانت عقول الخلق في طفوليتها وكانوا يخشون ويرجون ويفزعون ويضرعون، ولا ينزل عليهم وحي يعرفون أنه الحق فيعولوا عليه، وما زالوا في هذه الحيرة حتى جاءت الرسل فأنارت الطريق وحصحص الحق. وقد قدم شوقي هذا الاعتذار عن تخبط البشر في عقائدهم بقوله: يا رب إننا عشقناك وهمنا وراءك في كل مكان فلا عجب أن كنا ضللنا السبل:

رب هذي عقولنا في صباها

نالها الخوف واستباها الرجاء

فعشقناك قبل أن تأتي الرس

ل وقامت بحبك الأعضاء

واتخذنا الأسماء شتى فلما

جاء موسى انتهت لك الأسماء

ثم ذكر كيف أن فرعون ربى موسى، واعتمد على وفائه فخانه موسى لأجل ربه؛ لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، فقال:

ظن فرعون أن موسى له وا

ف وعند الكرام يرجى الوفاء

لم يكن في حسابه يوم ربى

أن سيأتي ضد الجزاء الجزاء

فرأى الله أن يعق ولله

تفي لا لغيره الأنبياء

مصر موسى عند انتماء وموسى

مصر إن كان نسبة وانتماء

فبه فخرها المؤيد مهما

هز بالسيد الكليم اللواء

فقد خرجنا هنا بالمصريين من عهد الرموز والتماثيل والعبادات المتنوعة والآلهة أشكالا وألوانا إلى عبادة الواحد الأحد الذي دل عليه موسى عليه السلام، فوضع أساس الشريعة الإلهية، ثم تلاه عيسى - عليه السلام - أيضا فوصف شوقي مولد عيسى - عليه السلام - بما لا أظن عيسويا على وجه الأرض قال أحسن منه ولا مثله، ألا ترى أنه ليس فيمن ينطق بالضاد من مسلم ومسيحي تقريبا من يجهل هذه الأبيات:

ولد الرفق يوم مولد عيسى

والمروءات والهدى والحياء

وازدهى الكون بالوليد وضاءت

بسناه من الثرى الأرجاء

وسرت آية المسيح كما يس

ري من الفجر في الوجود الضياء

تملأ الأرض والعوالم نورا

شوقي: صداقة أربعين سنة · الصفحة ٧٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شوقي: صداقة أربعين سنةص ٧٨