تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قل لبان بنى فشاد فغالى

لم يجز مصر في الزمان بناء

ليس في الممكنات أن تنقل الأج

بال شما وأن تنال السماء

أجفل الجن عن عزائم فرعو

ن ودانت لبأسها الآباء

يريد أن يقول إن الأولين كلما رأوا عجبا عدوه من صنعة الجن، وأن فرعون مع ذلك جاء بالأهرام التي لم ينسبها أحد إلى الجن، وهي أعجب وأصعب من كل ما نسب إلى الجن من بناء البشر، ثم يقول:

وقبور تحط فيها الليالي

ويوارى الإصباح والإمساء

تشفق الشمس والكواكب منها

والجديدان والبلى والفناء

فاعذر الحاسدين فيها إذا لا

موا فصعب على الحسود الثناء

زعموا أنها دعائم شيدت

بيد البغي ملؤها ظلماء

دمر الناس والرعية في تش

ييدها والخلائق الأسراء

أين كان القضاء والعدل والحك

مة والرأي والنهى والذكاء

وبنو الشمس من أعزة مصر

والعلوم التي بها يستضاء

فادعى ما ادعى أصاغر آثي

نا ودعواهم خنى وافتراء

يريد أن يقول إن يونان التي زعمت كون هذه الأهرام بنيت بالظلم والقسر على أيدي العبيد، وأنفقت عليها أموال الرعية إنما قالت ذلك حسدا ونفاسة لعجزهم عن مثلها، وإن قولها فحش وافتراء، ثم أثنى على الفراعنة الذين شيدوا تلك الأبنية الخالدة على الدهر تتحدى الزمان وتبارز الحدثان، وقال: إن تلك الدولة قد انتقلت إلى أناس خالفوا سنن من قبلهم وهم ملوك الرعاة فساموا مصر العذاب، فتراه يقول في هؤلاء:

وإذا مصر شاة خير لراعي الس

وء تؤذى في نسلها وتساء

قد أذل الرجال فهي عبيد

ونفوس الرجال فهي إماء

ولقوم نواله ورضاهم

ولأقوام القلى والجفاء

ففريق ممتعون بمصر

وفريق في أرضهم غرباء

إن ملكت النفوس فابغ رضاها

فلها ثورة وفيها مضاء

يسكن الوحش للوثوب من الأس

ر فكيف الخلائق العقلاء

يعني براعي السوء أحد الملوك الرعاة الذين يقال لهم الهكسوس، والذين شوقي يقول فيهم:

أعلنت أمرها الذئاب وكانوا

في ثياب الرعاة من قبل جاءوا

وبعد أن وصف هذه الدولة بما وصفها به من استعباد مصر التفت فنصح الإنجليز الذين يحتلونها اليوم مستبدين، فقال لهم: إن كنتم ترون أنفسكم قد تغلبتم على أهل مصر فلا ينبغي أن تأمنوا انتقاضهم بعد خضوعهم لكم بالقوة، فإن للنفوس ثورة ومضاء، وإن الوحش تتحرك لتتفلت من القيود فكيف لا تتحرك البشر لتحطيم القيود؟ وليس لي اعتراض هنا إلا على قوله يسكن الوحش للوثوب من الأسر ... إلخ، فإن السكون والوثوب لا يقترنان ولو أنه قال ينزع الوحش للوثوب من الأسر لكان أقعد.

ثم أتى شوقي على تاريخ رمسيس وسيزوستريس وأشاد بذكرهما إشادة تجدر بعظمة مصر في تلك الأعصر الخوالي، وما زال إلى أن وصل إلى قمبيز ملك الفرس الذي استولى على مصر وجعل أعزة أهلها أذلة، ووصف ما حل بملوك مصر، فقال:

بنت فرعون بالسلاسل تمشي

أزعج الدهر عريها والحفاء

فكأن لم ينهض بهودجها الده

ر ولا سار خلفها الأمراء

أعطيت جرة وقيل إليك الن

هر قومي كما تقوم النساء

فمشت تظهر الإباء وتحمي الد

مع أن تسترقه الضراء

والأعادي شواخص وأبوها

بيد الخطب صخرة صماء

فأرادوا لينظروا دمع فرعو

ن وفرعون دمعه العنقاء

فأروه الصديق في ثوب فقر

يسأل الجمع والسؤال بلاء

فبكى رحمة وما كان من يب

كي ولكن ما أراد الوفاء

يريد أن يقول إن فرعون لم تبدر له دمعة لما رأى ابنته تحمل الجرة وتذهب إلى النهر لتستقي كإحدى الإماء، ولكنه لما رأى أحد أصدقائه يسأل الناس من فقره أجهش ولم يملك دمعه، وما كان سريع الدمعة ولكن الوفاء غلب عليه.

ثم ذكر كيف أن الإسكندر غلب على مصر وأزال منها حكم الفرس فقال:

طلبة للعباد كانت لإسكن

در في نيلها اليد البيضاء

شاد إسكندر لمصر بناء

لم تشده الملوك والأمراء

بلدا يرحل الأنام إليه

ويحج الطلاب والحكماء

والجواري في البحر يظهرن عز ال

ملك والبحر صولة وثراء

والرعايا في نعمة ولبطلي

موس في الأرض دولة علياء

يقول إن مصر في عهد البطالسة صارت دار علم وحكمة، واستراحت فيها الرعايا وغلظ أمرها، وكان لها أسطول حربي وأسطول آخر تجاري عبر عنهما بقوله: «والبحر صولة وثراء.» ثم ذكر خراب دولة البطالسة بمجيء كليوباترة، فقال:

شوقي: صداقة أربعين سنة · الصفحة ٧٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شوقي: صداقة أربعين سنةص ٧٧