تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

رب إن شئت فالفضاء مضيق

وإذا شئت فالمضيق فضاء

فاجعل البحر عصمة وابعث الرح

مة فيها الرياح والأنواء

أنت أنس لنا إذا بعد الأن

س وأنت الحياة والإحياء

يتولى البحار مهما ادلهمت

منك في كل جانب لألاء

وإذا ما علت فذاك قيام

وإذا ما رغت فذاك دعاء

فإذا راعها جلالك خرت

هيبة فهي والبساط سواء

والعريض الطويل منها كتاب

لك فيه تحية وثناء

لا تظهر عبقرية شوقي ظهورا باهرا مثلما تظهر في هذا النوع من الشعر، فلو قلت إن كل ما قاله شوقي في باب المديح وباب الرثاء وباب الحكايات لا يوازي هذه الأبيات لم أكن مبالغا، فكأن شوقي كلما علا الموضوع علا هو معه فلما رأى أمامه جلالة هذا الخلق العظيم وتأمل جلالة خالقه تعالى ارتفع به البيان إلى الدرجات العلا، وتعلق بسدرة المنتهى التي تليق بوصف تلك الجلالة. وأما الكتاب الذي يتكلم عنه وهو عبارة عن العريض الطويل من هذا الخلق العظيم الذي هو البحر، فإن لي حكاية هي من هذا الموضوع بسبيل.

كنت أيام الحرب مبعوثا لسورية في الآستانة دار الخلافة العثمانية تولاها الله برحمته، وكانت بيني وبين عبد الحق حامد بك الذي يقال له أديب الأتراك الأعظم مودة أكيدة ولم تنحصر في لحمة الأدب، بل تجاوزت إلى لحمة النسب؛ لأن أديب الأتراك الأعظم عربي الأصل ينتمي إلى عبد الحق السنباطي، وقد جاء سلفه إلى استانبول فاستتركوا، وكانت لي معه - فسح الله في أجله لأنه لا يزال حيا - مجالس نتناشد فيها الأشعار ونتناقل الآثار، وفي ذات يوم صادفته ذاهبا إلى إسماعيل حقي بك، من أدباء الترك كان واليا لبيروت يوم انتهت الحرب، وهو من مريدي عبد الحق حامد، فأخذ بيدي، وقال لي: تعال معي حتى نقرأ عليك شيئا من آثاري الجديدة. فمضيت معه حتى وافينا منزل إسماعيل حقي، وما استقر بنا الجلوس حتى بدأ إسماعيل حقي يتلو علينا رواية «طارق» التي منها ما هو نظم، ومنها ما هو نثر، وكل ذلك بالتركي، فوصلنا إلى مكان يسميه عبد الحق حامد «مناجاة» وهو أن طارقا يولي وجهه شطر السماء ويناجي ربه بأقوال يضرع بها إليه، ولست متذكرا منها الآن إلا قوله: يا رب ألم تقل لنا كذا وكذا في كتبك المنزلة؟ ألم تقل كذا وكذا بلسان الطبيعة التي هي أيضا من كتبك المنزلة؟ إلى آخر ما يقول، فلما وصل إلى هذه الجملة وهي أن الطبيعة هي من الكتب المنزلة، قلت أنا فورا: وربما كانت أقدمها، فاهتز لذلك عبد الحق حامد وقال لإسماعيل حقي: «أمان أمان بوني يازيكز.» أي بالله عليك اكتب هذه. وبقي يردد هذه النكتة وهي أن الطبيعة هي أقدم الكتب الإلهية، وبعد ذلك بمدة وجدت رسالة طارق مطبوعة وفي حاشية الفصل الذي اسمه «مناجاة» مكتوبة هذه الجملة: «وربما كانت هي أقدم الكتب المنزلة.» وبجانبها يقول: «هذه الجملة هي من الأمير شكيب أرسلان.» فقضيت العجب من أمانة هذا الشاعر الكبير الذي أبى أن ينسب هذا المعنى لنفسه وأصر على نسبته إلي بالصراحة بينما كثير من الشعراء والأدباء ينتحلون أقوالا لم يكونوا هم قائليها ويتبنون معاني قد يكون نجلها غيرهم، ولكن عبد الحق حامد أغنى من أن يسرق.

والشاهد هنا أن الخواطر تواردت وأن شوقي يرى البحر كتابا من كتب الله له فيه تعالى تحية وثناء، وأن عبد الحق حامد الذي هو في الترك كشوقي في العرب يرى في الطبيعة كتابا إلهيا أنزله الله ليقرأه عباده، وأن هذا العاجز يرى هذا الكتاب أقدم الكتب الإلهية؛ لأن الله خلق الطبيعة قبل أن بعث الأنبياء وأنزل عليهم الوحي، ثم يقول شوقي:

يا زمان البخار لولاك لم تف

جع بنعمى زمانها الوجناء

فقديما عن وخدها ضاق وجه ال

أرض وانقاد بالشراع الماء

وانتهت إمرة البحار إلى الشر

ق وقام الوجود فيما يشاء

وبنينا فلم يخل لبان

وعلونا فلم يجزنا علاء

وملكنا فالمالكون عبيد

والبرايا بأسرها أسراء

شوقي: صداقة أربعين سنة · الصفحة ٧٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شوقي: صداقة أربعين سنةص ٧٦