تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وروى المعري عن ابن جني أنه قال: ورأيته - أي رأى المتنبي - وقد قرأت عليه هذه القصيدة وهو ينكر إنشادها.

قلت: وهذا دليل على أن المتنبي كان خجل من نفسه وندم على إرسال تلك الكلمة المشئومة التي صارت السبب في قتله وحرمان الناس من ذلك اللسان وذلك الجنان اللذين بخل بمثلهما الزمان، فأما المعري فلشدة إعجابه بالمتنبي وما اشتهر من حبه له، فقد حاول أن يتمحل له عذرا، وأن يدمج هذه القصيدة تحت حكم «لكل مقام مقال» وهذا التشبيه محال، ثم حاول من جهة أخرى عذرا ثانيا؛ وهو أن يجعل هذه القصيدة على ألسن أولئك الجماعة الذين كان يشتمهم ضبة، وهو أيضا عذر ضعيف أرق من خيط باطل؛ إذ المتنبي يعلم أنه مهما قال فقوله لا بد أن يسير، وأن الكلمة الفاردة من مثله تحفظ وتبقى وتعلق في الأذهان، فكيف المنظوم الذي تسير به الركبان. والحقيقة أنها كانت سويعة نحس غفل فيها المتنبي عن نفسه وغاب عن حسه؛ فأرسل هاتيك الأبيات وهو يظن أنها لن تتجاوز ذلك المكان، وأنه إنما يشفي بها غليل جماعته، أو أنه يضحكهم على ضبة، ونسي أنه بهذا العمل قد وضع نفسه في صف ذلك السفيه الذي وصفوا ما وصفوا من سفاهته وحمقه، ومن ذا يعض الكلب إذا الكلب عضه؟ فكانت من أبي الطيب هذه النبوة القبيحة سببا في إتلافه ومصيبة الأدب العربي بفقد رجل كان من أرجح أدباء الدنيا ميزانا وأقواهم برهانا وأذلفهم لسانا. ومن هذه القصة يجب أن تؤخذ العبرة اللازمة والعظة التي لا يجوز أن تفارق الخاطر، وهي أن الرجل الكبير يجب أن يبقى كبيرا في جميع أطواره، وأن يعلم أن كل ما يقوله سيسير ويحفظ عليه، وأنه سيبقى وينسب إليه. والقول لقائله كالولد لناجله. ومن أحسن مزايا شوقي أنه لم يتلوث بشيء من هذه القاذورات، وأن أدب النفس كان أثيره، فنزه عن المرافثة قليل نظمه وكثيره، فلا أثار بقوله حفائظ ولا هاج أحقادا وقد مضت جميع معاركه الأدبية على سلامة. (9) شعر الملاحم

وقد آن لنا الآن أن نصف من شعر شوقي القسم الذي هو فيه الشاعر الفرد والأسد الورد، وهو شعر الملاحم

épique

أو الشعر التاريخي الذي بذ فيه الأولين والآخرين، وسما وحلق في عيون جميع الناظرين، وإني برغم عصبيتي لصديقي محمود سامي باشا البارودي أقول إنه قد فاته هذا الغرض، ولم يقيض له الله هذه الفتوحات التي قيضها لشوقي، والتي ضارع فيها شعراء الإفرنج، وكفر عن سيئاته في المديح ومبالغاته إن كان لا بد أن يحسب ذلك عليه من السيئات.

وقد فرط شوقي إلى هذا الحوض من أول مرة وتنبه له في مقتبل عمره؛ ففي سنة 1894 أي بعد اجتماعنا في باريز بسنتين لا غير كانت له تلك الهمزية التي قالها عن وادي النيل وأنشدها في مؤتمر المستشرقين المنعقد في جنيف، وهي التي يقول فيها:

همت الفلك واحتواها الماء

وحداها بمن تقل الرجاء

ضرب البحر ذو العباب حوالي

ها سماء قد أكبرتها السماء

ورأى المارقون من شرك الأر

ض شباكا تمدها الدأماء

وجبالا موائجا في جبال

تتدجى كأنها الظلماء

ودويا كما تأهبت الخي

ل وهاجت حماتها الهيجاء

هذا البيت الأخير ينظر إلى قول المتنبي عن بحيرة طبرية:

والموج مثل الفحول مزبدة

تهدر فيها وما بها قطم

كأنها والرياح تضربها

جيشا وغى هازم ومنهزم

ثم يقول:

لجة عند لجة عند أخرى

كهضاب ماجت بها البيداء

وسفين طورا تلوح وحينا

يتولى أشباحهن الخفاء

نازلات في سيرها صاعدات

كالهوادي يهزهن الحداء

هذا من الوصف الذي يصح أن يكون مثلا في الإبداع وصحة التصوير، فتأمل عندما تكون في عرض البحر الخضم تنظر السفين عن بعد تارة تلوح لك أشرعتها من بعيد، وطورا تحدق فلا تراها من سعة اليم وارتفاع أمواج الخضم، وتأمل أيضا تشبيهه للسفن في صعودها ونزولها على ظهر الموج التي تتقاذفها بالإبل السائرة في البيداء، فراكب السفينة كراكب البعير لا يفتأ يشعر بنفسه صاعدا نازلا، ثم يقول وهو من أبدع ما قيل:

شوقي: صداقة أربعين سنة · الصفحة ٧٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شوقي: صداقة أربعين سنةص ٧٥