فجاءها منهمكا
يضحكه منها البكا
قال ألم أقل لك
هلكت أو لم تهلك
رب صديق عبد
أبيض وجه الود
يفديك كالرئيس
بالنفس والنفيس
وصاحب كالنور
في الحسن والظهور
معتكر الفؤاد
مضيع الوداد
حباله أشراك
وقربه هلاك
نعم كم من شخص حسن الوجه سيئ الفعل، هذا الذي يريد شوقي أن يستفصه من هذه الحكاية، كما أراد أن يستخرج من هذه الحكايات كلها العبر التي استخرجها أمثاله من الشعراء أو من الكتاب الذين تكلموا على ألسن الحيوان والطير، ورموا مرامي حكيمة بعيدة من هذه الحكايات الصغيرة، وهم مثل صاحب كليلة ودمنة وغيره.
ومن أقوال شوقي في هذا الباب حكاية عن الأسد عندما استوزر الحمار:
لليث ملك القفار
وما تضم الصحاري
سعت إليه الرعايا
يوما بكل انكسار
قالت تعيش وتبقى
يا دامي الأظفار
مات الوزير فمن ذا
يسوس أمر الضواري
قال الحمار وزيري
قضى بهذا اختياري
فاستضحكت ثم قالت
ماذا رأى في الحمار
وخلفته وطارت
بمضحك الأخبار
حتى إذا الشهر ولى
كليلة أو نهار
لم يشعر الليث إلا
وملكه في دمار
القرد عند اليمين
والكلب عند اليسار
والقط بين يديه
يلهو بعظمة فار
فقال من في جدودي
مثلي عديم الوقار
أين اقتداري وبطشي
وهيبتي واعتباري
فجاءه القرد سرا
وقال بعد اعتذار
يا عالي الجاه فينا
كن عالي الأنظار
رأي الرعية فيكم
من رأيكم في الحمار
وقال في القبرة وابنها:
رأيت في بعض الرياض قبره
تطير ابنها بأعلى الشجره
وهي تقول يا جمال العش
لا تعتمد على الجناح الهش
وقف على عود بجنب عود
وافعل كما أفعل في الصعود
فانتقلت من فنن إلى فنن
وجعلت لكل نقلة ثمن
كي يستريح الفرخ في الأثناء
فلا يمل ثقل الهواء
لكنه قد خالف الإشارة
لما أراد يظهر الشطاره
وطار في الفضاء حتى ارتفعا
فخانه جناحه فوقعا
فانكسرت في الحال ركبتاه
ولم ينل من العلا مناه
ولو تأنى نال ما تمنى
وعاش طول عمره مهنا
لكل شيء في الحياة وقته
وغاية المستعجلين فوته
وقال في الثعلب وهو في السفينة:
أبو الحصين جال في السفينه
فعرف السمين والسمينه
يقول إن حاله استحالا
وأن ما كان قديما زالا
لكون ما حل من المصائب
من غضب الله على الثعالب
ويغلظ الأيمان للديوك
لما عسى يبقى من الشكوك
بأنهم إن نزلوا في الأرض
يرون منه كل شيء يرضي
قيل فلما تركوا السفينه
مشى مع السمين والسمينه
حتى إذا ما نصفوا الطريقا
لم يبق منهم حوله رفيقا
وقال إذ قالوا عديم الدين
لا عجب أن حنثت يميني
فإنما نحن بنو الدهاء
نعمل في الشدة للرخاء
ومن تخاف أن يبيع دينه
تكفيك منه صحبة السفينه
وخلاصة القول أن شوقي لم يهمل هذا الباب أيضا، وأنه دنا من اللفظ إلى الغاية التي تدركها الأطفال ويحفظها الجهال ولكل مقام مقال. وكان مثله في هذا بشار فقد حدث ابن مهرويه عن أبيه قال: قلت لبشار يا أبا معاذ، إنك لتأتي بالأمر المتفارق، فمرة تثير بشعرك العجاج فتقول:
إذا ما ضربنا ضربة مضرية
هتكنا حجاب الشمس أو قطرت دما
إذا ما أعرنا سيدا من قبيلة
ذرى منبر صلى علينا وسلما
ثم تقول:
رباب ربة البيت
تصب الخل في الزيت
لها سبع دجاجات
وديك حسن الصوت
فقال بشار: «إنما أكلم كل إنسان على قدر معرفته؛ فأنت وعلية الناس يستحسنون ذلك، وأما رباب فهي جارية تربي دجاجا وتجمع بيضهن، فإذا أنشدتها هذا حرصت على جمع البيض، وهو أحسن عندها وأنفق من شعري كله، فإذا أنشدتها في النمط الأول ما فهمته ولا انتفعت بها.»
قلنا: وهذه قضية لا جدال فيها؛ فالثوب ينبغي أن يفصل على قدر القامة، والقول يجب أن يتناسب مع الحالة، وقد أورد أبو العلاء المعري قصة بشار هذه في عرض الكلام على قصيدة المتنبي السخيفة في ضبة وهي التي أولها:
ما أنصف القوم ضبة
وأمه الطرطبة
فقال: إن أبا الطيب اجتاز يوما بالطف فنزل بأصدقاء له، وصادف هناك ولدا اسمه ضبة يغدر بكل أحد، وسارت الخيل إلى هذا العبد واستركبوه فلزمه السير معهم، فدخل هذا العبد الحصن وامتنع به وأقاموا عليه وليس سلاحه لهم إلا شتمهم من وراء الحصن أقبح شتم، ويسمي أبا الطيب بشتمه، وأراد القوم أن يجيبه أبو الطيب بمثل ألفاظه القبيحة، وسألوه ذلك فتكلف لهم على مشقة، وعلم أنه لو سبه لهم معرضا لم يفهم، ولم يعمل فيه عمل التصريح، فخاطبه على ألسنتهم من حيث هو، فقال تلك الأبيات: ما أنصف القوم ضبة ... إلخ.